السيد جعفر مرتضى العاملي

292

صفوة الصحيح من سيرة النبي الأعظم ( ص )

فشجّع النّاسَ عبد الله بن رواحة ، فقال : « يا قوم ، والله إنّ الّتي تكرهون ، للّتي خرجتم تطلبون : الشهادة . وما نقاتل النّاس بعدد ولا قوّة ولا كثرةٍ ، وما نقاتلهم إلّا بهذا الدّين الّذي أكرمنا الله به ، فانطلقوا ، فإنّما هي إحدى الحسنيين ؛ إمّا ظهور وإمّا شهادة وليست بشرّ المنزلتين » . فقال النّاس : صدق والله ابن رواحة . « 1 » فمضى النّاس حتّى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الرّوم والعرب بقرية من قرى البلقاء يقال لها : مَشارِف . « 2 » ثمّ دنا العدوّ ، وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها : مؤتة فالتقى النّاس عندها ، فتعبّأ لهم المسلمون ، فجعلوا على ميمنتهم رجلًا من عُذْرَةٍ وعلى ميسرتهم رجلًا من الأنصار . قال ابن إسحاق : ثمّ التقى النّاس ، واقتتلوا قتالًا شديداً ، فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله ( ص ) حتّى شاط « 3 » في رماح القوم ؛ ثمّ أخذها جعفر بن أبي طالب ، فقاتل بها ، حتّى إذا ألحمه « 4 » القتال اقتحم عن فرس له شقراء فَعَرْقَبَها ، « 5 » ثم قاتل القوم حتّى قتل ، فكان جعفر أوّل رجلٍ من المسلمين عرقب فرساً في سبيل الله . « 6 »

--> ( 1 ) 1 . أسد الغابة ، ج 3 ، ص 158 ، وعن إعلام الورى ، ج 1 ، ص 212 و 213 ( 2 ) 2 . تنسب إليها السّيوف المُشْرِفَيّة حيث يقال : إنّها طبعت لسليمان ( ع ) بها . راجع : معجم البلدان ، ج 5 ، ص 131 و 220 ( 3 ) 3 . يقال شاط الرّجل : إذا سال دمه فهلك ( 4 ) 4 . ألحمه القتال : نشب فيه فلم يجد مخلصاً ، واقتحم عن فرس له : رمى بنفسه عنها ( 5 ) 5 . عرقب الدّابة : قطع عرقو بها وهو الوتر الّذي بين مفصل السّاق والقدم . وفي بعض النصوص : أنّه عقر فرسه : أي ضرب قوائمها وهي قائمة بالسّيف ، ولعلّ الثّاني هو الأولى والأقرب إلى الصّحة ، لأنّ عرقبة الفرس لا تناسب مع ما ورد من النّهي الشّرعي عن إيذاء الحيوان ونحن نجلّ جعفراً عن الإقدام على عملٍ نهي عنه الشّارع ويأباه الخُلق الإنساني الرّفيع . بل هناك نصّ عن رسول الله ( ص ) يتعرّض لنفس هذا المعنى ، فقد روي عنه ( ص ) قوله : « إذا حرنت على أحدكم دابّة في أرض العدوّ فليذبحها ولا يعرقبها » ( الوسائل ، ج 16 ، ص 307 و 308 ، وج 8 ، ص 396 ، وج 5 ، ص 52 ( 6 ) 6 . سبل الهدى والرشاد ، ج 6 ، ص 148 ، والمغازي للواقدي ، ج 2 ، ص 761 .