السيد جعفر مرتضى العاملي
125
صفوة الصحيح من سيرة النبي الأعظم ( ص )
إنّ ابن أخي حدّثني ولم يكذبني قطّ : أنّ الله قد بعث على هذه الصّحيفة الأَرَضَة ، فأكلت كلّ قطيعة وإثم ، وتركت كلّ اسم هو للّه ؛ فإن كان صادقاً أقلعتم عن ظلمنا ، وإن يكن كاذباً ندفعه إليكم فقتلتموه . فصاح النّاس : أنصفتنا يا أبا طالب ، ففتحت ، ثمّ أخرجت ، فإذا هي كما قال ( ص ) ، فكبّر المسلمون ، وَامتِقُعَت « 1 » وجوه المشركين . فقال أبو طالب : أتبيّن لكم ، أيّنا أولى بالسّحر والكهانة ؟ فأسلم يومئذٍ عالَم من الناس . ولكنّ المشركين لم يقنعوا بذلك ، بل استمرّوا على العمل بمضمون الصحيفة ، حتّى قام جماعة منهم : هشام بن عمرو بن ربيعه ، وزهير بن أميّة بن المغيرة ، والمطعم بن عدي ، وأبان البختري بن هشام ، وزمعة بن الأسود وكلّهم رحم ببني هاشم والمطّلب وتكلّموا في نقضها ؛ فعارضهم أبو جهل فلم يلتفتوا إلى معارضته ، ومُزّقت الصّحيفة ، وبطل مفعولها ، وخرج الهاشميّون حينئذٍ من شعب أبي طالب ( ع ) . « 2 » حُنكةُأبي طالب وإيمانه إنّ المطالع لأحداث ما قبل الهجرة ليجد عشرات الشّواهد الدّالة على حُنكة « 3 » أبي طالب ( ع ) . وخير شاهد نسوقه الآن على ذلك ، هو ما ذكرناه آنفاً ، حيث رأيناه
--> ( 1 ) 1 . امتُقِعَ الرّجلُ مجهولًا : تغيّر لونه من حزن أو فزع أوريبةٍ ( 2 ) 2 . راجع فيما تقدم : السيرة النبوية لابن كثير ، ج 2 ، ص 44 ، والسيرة النبوية لابن هشام ، ج 2 ، ص 16 ، ودلائل النبوة لدحلان ( ط . دار الكتب ) ج 2 ، ص 312 ، والكامل في التاريخ ، ج 2 ، ص 88 والسيرة النبوية لدحلان ، ج 1 ، ص 138 137 ( ط . دار المعرفة ) وتاريخ اليعقوبي ، ج 2 ، ص 31 ، والبداية والنهاية ، ج 3 ، ص 85 و 86 ( 3 ) 3 . الحُنكة : السنّ والتجربة والبصر بالأمور ، وحنكتُ الشّىء : فهمته وأحكمته ، وحنّكته السِنّ : إذا حكمته التّجارب والأمور ، استعارةٌ في التّجربة والحكمة والفراسة .