السيد جعفر مرتضى العاملي

118

صفوة الصحيح من سيرة النبي الأعظم ( ص )

عودة بعض المهاجرين وتسرّبت « 1 » أنباء الهدنة القصيرة والعفويّة غير المعلنة الّتي حصلت في مكّة إلى مسامع المسلمين في الحبشة ، ورأى المسلمون ما جرى للنّجاشي بسببهم ، « 2 » فارتأى فريق منهم العودة إلى مكّة ، بعد شهرين ، أو ثلاثة أشهر ، وعاد منهم أكثر من ثلاثين رجلًا ، ودخل عثمان بن مظعون بجوار الوليد بن المغيرة ، وكان ما كان من ردّه جوارَه ورضاه بجوار الله تعالى . نعم ، هذا هو السرّ في رجوع بعض المهاجرين من الحبشة ، وليس ما ذكره أعداء الإسلام من قصّة الغرانيق الّتي لا شكّ في كذبها . « 3 »

--> ( 1 ) 1 . تسرّب : دخل وانتشر ( 2 ) 2 . كان وجود المسلمين في الحبشة قد تسبّب للنّجاشي ببعض المتاعب ؛ حيث اتّهمه أهل بلاده بأنّه خرج من دينهم ، فثاروا عليه ؛ ولكنّه استطاع أن يخمد الثورة بحسن إدراكه ووعيه ( راجع : تاريخ الإسلام للذّهبي ، ج 2 ، ص 136 ، والسيرة النبوية لابن هشام ، ج 1 ، ص 365 ، والبداية والنهاية ، ج 3 ، ص 77 . ) ( 3 ) 3 . ملخّص هذه القضيّة المكذوبة : أنّه بعد أن هاجر المسلمون إلى الحبشة بحوالي شهرين ، جلس رسول الله ( ص ) مع المشركين ، فأنزل الله تعالى عليه سورة النّجم ، فقرأها ، حتّى إذا بلغ قوله تعالى : « أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى " فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ بكلمتين ، فتكلم بهما ظانّاً أنّهما من جملةالوحي وهما : « تلك الغرانيق ( جمع غرنوق : طيور الماء . شبهّت الأصنام بها لارتفاعها في السّماء فتكون الأصنام مثلها في رفعة القدر ؛ والغرنوق أيضا : الشّاب الأبيض النّائم ) العلى وأنّ شفاعتهن لترتجى " . ثمّ مضى في السّورة ، حتّى إذا بلغ السّجدة ، سجد وسجد معه المسلمون والمشركون . وأضاف البخاري سجود الإنس والجنّ إلى مجموع المسلمين والمشركين ، وطار الخبر في مكّة وفرح المشركون ، بل ويقال : إنّهم حملوا الرّسول ، وطاروا به في مكّة من أسفلها إلى أعلاها . . . . ويقولون : إنّه لمّا سمع المسلمون في الحبشة بالسّلام والوِئام ( الوئام : الوفاق ) بين النّبيّ ( ص ) وقريش عادت طائفة منهم إلى مكّة ، فوجدوا الأمر على خلاف ذلك . ونحن نعتقد جازمين بكذب هذه القضيّة وافتعالها ، ويشاركنا في هذا الاعتقاد جمع من العلماء ، فقد قال محمد بن إسحاق حين ما سئل عنها : « هذا من وضع الزّنادقة » وصنّف في تفنيدها كتاباً ( راجع : البحر المحيط لأبي حيّان ، ج 6 ، ص 381 ) . وقال القاضي عبدالجبّار عن هذا الخبر : « لا أصل له ، ومثل ذلك لا يكون إلّا من دسائس الملحدة » ( تنزيه القرآن عن المطاعن ، ص 243 ) .