السيد جعفر مرتضى العاملي

112

صفوة الصحيح من سيرة النبي الأعظم ( ص )

2 . لقد كان لقريش نفوذ في بلاد الرّوم والشّام ، لما كان لها من علاقات تجاريّة واقتصادية معها . فالهجرة إلى هذا البلاد إذن سوف تسهّل على قريش استرجاع المهاجرين ، أو على الأقل ، إلحاق الأذى بهم ؛ ولا سيّما إذا كان ملوك تلك البلاد لا يلتزمون بأي من الأصول الأخلاقيّة والإنسانيّة ، ولم يكن لديهم مانع من ممارسة أي نوع من أنواع الظّلم والجور ، وعلى الأخصّ بالنّسبة لمن ينتسب إلى دعوة يرون أنّها تضرّ بمصالحهم الشّخصيّة وتهدّد كيانهم وجبروتهم . وأمّا بلاد اليمن ، وبعض المناطق العربيّة والقِبليّة الأخرى ، فقد كانت تحت نفوذ النّظام الفارسي ، المتجبّر والظّالم . ويذكر هنا : أنّ بعض القبائل عندما عرض عليها النّبيّ ( ص ) دعوته وطلب منها حمايتها له ، قبلت بذلك ، ولكن ممّا دون كسرى ، أمّا من كسرى فلا . « 1 » 3 . قد كان لقريش نفوذ قويّ في مختلف القبائل العربيّة ، حتّى ما كان منها تحت نفوذ الفرس والرّوم . 4 . ما ذكره النّبيّ ( ص ) من أنّ بها مَلِكاً لا يظلم عنده أحدٌ ، فإنّ كلّ ذلك يجعلنا نضع أيدينا على السرّ الحقيقي لاختيار بلاد الحبشة ، البعيدة عن النّفوذ الفارسي والرّومي والقريشي ، والّتي لا يمكن لقريش أن تصل إليها على ظهر جواد أو راحلة ، وإنّما بالسّفن عبر البحار ، ولم تكن قريش تعرف حرب السّفن . فاختار رسول الله ( ص ) هذه البلاد بالذّات لتكون أرضاً لهجرة المسلمين ، الّذين لا يزالون ضعافاً أمام قوّة قريش وجبروتها . ثمّ انّنا نستفيد من قوله ( ص ) عن أرض الحبشة : « إنّها أرض صدق » أنّه قد كان فيها شعبٌ يعيش على الفطرة ويتعامل بالصّدق والصّفاء ، وربّما كان النّاس في تلك المنطقة أقرب من غيرهم إلى الالتزام بما تبقى لديهم من تعاليم السّيد المسيح ( ع ) ، كما ربّما يستفاد مما جرى لجعفر مع مَلِك الحبشة في أمر

--> ( 1 ) 1 . راجع : السيرة الحلبيّة ، ج 2 ، ص 5 وص 16 ، والسيرة النبوية لابن كثير ، ج 2 ، ص 168 .