سلمان هادي آل طعمة
129
تراث كربلاء
ضرب الجيش الحصار بقوّةٍ على المدينة ، وقصفت المدفعيّة الأسوار ، فزادت جذوة المقاومة الشعبية ، وهبّ العلماء يصلحون الأسوار ، ويثيرون حماس المدافعين ، ولكنّهم ما كانوا ليصمدوا أمام جيشٍ منظّم ، ودخلت القوّات المدينة في 13 من يناير 1843 م . وفقد الضبّاط سيطرتهم على الجند ، ووقعت حوادث نهبٍ وقتلٍ عديدة ، ثمّ هدأت الأمور بعد دخول نجيب باشا المدينة ، وبدأ بتنظيم الإدارة فيها بتعيين قاضٍ ، وخطيبٍ ليدعو للسلطان في صلاة الجمعة . « 1 » وقد ورد ذكر هذه الحادثة أيضاً ، وبشكل موجز ، في كتاب « تاريخ كربلاء المعلّى » ، وهذا نصّه : وفي سنة 1258 شقّ أهالي كربلاء عصا الطاعة على الدولة ، وأبوا أداء الضرائب والمكوس ، وكان والي العراق نجيب باشا ، فجهّز جيشاً بقيادة سعد الله باشا وسيّره إلى كربلاء ؛ فحاصرها حصاراً شديداً ، وأمطر المدينة بوابل قنابله . ولم يساعده الحظّ على افتتاحها ؛ لأنّ سورها كان منيعاً جدّاً ، وقلاعها محكمةً لا يمكن للقائد الدنوّ منها ، ولمّا أعيت به الحيل الحربيّة التجأ إلى الخداع فأعطى الأمان للعصاة ، وضِمَن لهم عفو الحكومة ، فأخلوا القلاع وجاؤوه طائعين ، فقبض عليهم وسلّط المدافع على الجهة الشرقيّة فهدم السور ، وأصلي المدينة ناراً حاميةً ففتحها ، وارتكب فيها كلّ فظاعةٍ وشناعة ، ودخل بجيشه إلى صحن العباس ، وقتل كلّ مَنْ لاذ بالقبر الشريف ، وبهذه الموبقات أعاد سلطة الحكومة إلى تلك الربوع ، والله علّام الغيوب « 2 » . ويبدو أنّ الطاغية محمّد نجيب باشا استولى على البلد وأباحه ثلاثة أيام قتلًا وسلباً ونهباً حتّى قُتل آلاف الأشخاص بين رجلٍ وامرأةٍ وصبيٍّ وصبيّة ، وتنصّ معظم الروايات على أنّ عدد القتلى بلغ عشرين ألفاً أو زاد على ذلك .
--> ( 1 ) تاريخ العراق الحديث ، من نهاية حكم داود باشا إلى نهاية حكم مدحت باشا ، للدكتور عبد العزيز سليمان نوار ، صص 89 - 92 ( القاهرة 1387 ه / 1968 م ) . ( 2 ) تاريخ كربلاء المعلّى ، للسيّد عبد الحسين الكليدار آل طعمة ، صص 24 و 25 .