السيد كمال الحيدري

197

الدعاء إشراقاته ومعطياته

بناشئة الليل ، وذلك في قوله تعالى : إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا ( المزمل : 6 ) ، وهذه الصلاة تكمن ذروتها بركعة الوتر ، وهذه الركعة ظاهرها صلاة ، وباطنها دُعاء ، فتكون الناشئة هي شخص الدعاء ، فهي حقيقة المقصد ، ولا يخفى أنّ العبادة الواقعة في جوف الليل لهي أشدُّ تأثيراً في القلب ، لأنَّ القلب بعد أن نفر من ضوضاء النهار وعرج إلى سكون الليل ، ثمَّ أخذ قسطاً من الراحة يكون قلبه أكثر انفتاحاً على عالم المعنى والحقيقة ، وأكثر قبولًا لذلك من أيِّ وقت آخر ، وهي ساعة الإحياء . وأما الساعة الثانية ، وهي ما بين الطلوعين ، فإنَّها إشارة إلى عدم الركون إلى النوم والراحة الموجبين لدفع الرزق عن العبد ، ولا ينحصر الرزق بالقوت المطلوب تحصيله ، وإنما هنالك رزق أعظم ، قد يكون هو العطاء المُفاض من تلك الساعة السابقة ، أعني : ساعة السحر ، فالأسرار أسرار لا تُحلُّ بالتمنِّي ، وإنَّما بالدأب في التهجّد ليلًا ، وفي السبح الطويل نهاراً « 1 » ، وإذا كانت ساعة السحر هي ساعة الإحياء ، فالساعة ما بين الطلوعين هي ساعة الحياة الحقيقية التي ينعم بها العبد بمناجاة ربّه ، وتلاوة كتابه . ثُمَّ يُفضَّل في الساعة الأُولى أن يُقرأ دعاء الحزين المرويّ عن الإمام علي زين العابدين ( عليه السلام ) ، الذي أوله : « أناجيك يا موجود في كلّ مكان ! لعلَّك تسمع ندائي ، فقد عظُم جرمي وقلَّ حيائي ! مولاي يا مولاي ! أيّ الأهوال

--> ( 1 ) إشارة إلى قوله تعالى : إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا . المزمل : 7 .