السيد كمال الحيدري
181
الدعاء إشراقاته ومعطياته
عقله وقلبه ، فاستمرَّ به الحال بلا استقرارٍ حتّى الجواب الرابع ، وعندئذ حسم له ( عليه السلام ) الموقف بأنَّ ما تطلبه عسير فهمه بالعقل ، فيحتاج صبح تغيب فيه شُعلة العقل ( السراج ) ، فإنَّ أسئلتك لن تنتهي واضطرابك لن يزول بذلك ، إِلا مع معاينة الحقيقة بصبح اليقين ، والطمأنينة الإبراهيمية ، وإشراق القلب على الحقّ وفيض الحقّ على القلب . فالأجوبة الأربعة تُقدّم لنا كمالات ومستويات معرفية أربعةً تُركت لأصحابها ، ولذلك صلة فيما نحن فيه ، ولأمرين : الأول : هو أنَّ عدم الفهم ، أو الفهم المحدود ، أو المكوث على الظاهر مُوجب للقصور في التلقّي والاستجابة ، وهذا ما يُفضي بنا إلى انتخاب ما تسعه عقولنا وقلوبنا . الثاني : أنَّ الحقيقة التي كان يسأل عنها كميل ( رحمه الله ) هي حقيقة الحقّ سبحانه ، وهو المدعوّ في المقام ، فتكون كلماته ( عليه السلام ) نداءات ينطلق بها الداعي لمناجاة ربّه ، ولكن عليه أن ينتخب منها ما وسعه عقله وقلبه . وصبح الحقيقة يحتاج إلى قلوب واعية ، كما أنَّ صورته تحتاج إلى عقل واعٍ مُتدبّر ، فلا نُجازف في نداءاتنا للحقِّ ، كيلا يكون ذلك قشراً ومُكاءً وتصدية ، وهذا لا يعني الكفّ عن الدعاء بمطلق الكلمات ، وإنَّما هي دعوة للتدبُّر فيما نقول وفيما ندعو به . وبتلك النكتة ، وهذا الشاهد ، نكون قد قرّبنا فكرة ضرورة وقوع المناسبة بين مضامين الدعاء وكمالات الداعي « 1 » .
--> ( 1 ) لا يخفى ما في الشاهد من رفعةٍ في المعاني ، وعلوٍّ في التصوير ، وسموٍّ في الفهم ، ولذلك ارتأيت أن أُقرّب الفكرة بشاهد أيسر لتعمَّ الفائدة للجميع ، وهو موقف مرّ به أحد مُريدي الشيخ علي رَجَب الخيّاط ، حيث يقول ذلك المُريد : قد مرَّت عليَّ أيام عسيرة جعلتني في حالة من الضجر والاستياء ، وفي أحد الأيام سألني الشيخ : ما سبب ضجرك ؟ فحدّثته بأمري . فقال لي : ألا تقرأ التعقيبات ؟ قلت : بلى . قال : وماذا تقرأ ؟ قلت : أقرأ دعاء الصباح لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) . قال : أقرأ بدل دعاء الصباح سورة الحشر ودعاء العديلة في التعقيبات كي تُحلَّ مشكلتك . فقلت له : ولماذا لا أقرأ دعاء الصباح ؟ قال : في هذا الدعاء فقرات ونقاط يجب أن يكون للمرء مقدرة واستعداد لتحمّلها ، فهذا الدعاء يستلزم توفّر الاستعداد الخاصّ به ، وأنت بمستواك هذا ليس لديك الاستعداد الكافي له ، ولهذا حَدَثَتْ لك بعض المشاكل ، فلابدّ أن تقرأ بدل دعاء الصباح سورة الحشر ودعاء العديلة وستحلّ مشاكلك بإذن الله تعالى . وهكذا كان الأمر . انظر : كيمياء المحبّة ، للشيخ محمّد الريشهري ، تعريب خليل العصامي ، نشر دار الحديث ، ط 3 ، 1424 ه - ، قم المقدّسة : ص 225 .