الشيخ علي افتخاري الگلپايگاني

10

الحج والعمرة ومعرفة الحرمين الشريفين

وولده أن يثنوا أعطافهم نحوه ، فصار مثابة لمنتجع أسفارهم ، وغاية لملقى رحالهم ، تهوي إليه ثمار الإفئدة من مفاوز قفار سحيقة ، ومهاوي فجاج عميقة ، وجزائر بحار منقطعة ، حتّى يهزّوا مناكبهم ذللًا يُهلّلون للَّه‌حوله ، ويرملون على أقدامهم شُعثاً غُبراً له ، قد نبذوا السّرابيل وراء ظهورهم ، وشوّهوا بإعفاء الشعور محاسن خلقهم ، ابتلاءً عظيماً وامتحاناً شديداً ، واختباراً مبيناً ، وتمحيصاً بليغاً ، جعله اللَّه سبباً لرحمته ، ووصلة إلى جنّته . ولو أراد - سبحانه - أن يضع بيته الحرام ، ومشاعره العظام ، بين جنّات وأنهار ، وسهل وقرار جمّ الأشجار ، داني الثمار ، ملتفّ البنى ، متّصل القرى ، بين بُرّة سمراء ، وروضة خضراء ، وأرياف محدقة ، وعراص مغدقة ، ورياض ناضرة ، وطرق عامرة ، لكان قد صغر قدر الجزاء على حسب ضعف البلاء . ولو كان الإساس المحمول عليها ، والأحجار المرفوع بها ، بين زمرّدةٍ خضراء ، وياقوتة حمراء ، ونور وضياء ، لخفّف ذلك مصارعة الشك في الصدور ، ولوضع مجاهدة إبليس عن القلوب ، ولنفى معتلج الريب من النّاس ، ولكن اللَّه يختبر عباده بأنواع الشدائد ، ويتعبّدهم بأنواع المجاهد ، ويبتليهم بضروب المكاره ، إخراجاً للتكبر من قلوبهم ، وإسكاناً للتذلّل في نفوسهم ، وليجعل ذلك أبواباً فُتُحاً إلى فضله ، وأسباباً ذُلُلًا لعفوه « 1 » . الإمام الصادق عليه السلام سئل عليه السلام عن علّة الحج ، فقال : إنّ اللَّه خلق الخلق ، وأمرهم بما يكون من أمر الطاعة في الدين ، ومصلحتهم من أمر دنياهم ، فجعل فيه الاجتماع من الشرق والغرب ؛ ليتعارفوا ، ولينزع كلّ قوم من التجارات من بلد إلى بلد ، ولينتفع بذلك المكاري والجمّال ، ولتعرف آثار رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم وتعرف أخباره ، ويذكر ولا ينسى ، ولو كان كلّ قوم إنّما يتكلون على بلادهم وما فيها هلكوا ، وخربت البلاد ، وسقطت الجلب والأرباح وعميت الاخبار ، ولم تقفوا على ذلك ، فذلك علّة الحجّ « 2 » .

--> ( 1 ) نهج البلاغة / طبع بيروت ، سنة 1387 ص 292 - 294 . ( 2 ) الوسائل / ج 8 ص 8 .