السيد كمال الحيدري
12
التوحيد عند الشيخ ابن تيميه
وإذا كان كلّ إنسان مولوداً على الفطرة - كما عن رسول الله ( ص ) : « كلّ مولود يولد على الفطرة ، يعني : المعرفة بأنّ الله عزّ وجلّ خالقه » « 1 » - إذن فكلّ إنسان مولود على التوحيد ؛ لأنّ الفطرة هي التوحيد ومعرفة الله سبحانه . وهكذا صار الأصل الأوّل من أصول الدين توحيد وجود الله تعالى لا إثبات وجوده . الكمال والمعرفة التوحيدية هناك صلة بين الكمال والمعرفة التوحيديّة . فالإنسان مشدود في حركته الحياتيّة إلى كماله ، وثَمَّ نقطة يلتقي عندها الكمال بالتوحيد ينبغي معرفتها . لقد أشار القرآن الكريم في آيات عديدة إلى أنّ كلّ شيءٍ مسخّرٌ لأجل الإنسان ؛ قال تعالى : وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ( الجاثية : 13 ) ، وحتى الملائكة مسخّرة لتدبير أمور الإنسان فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً ( النازعات : 5 ) ، فيما تقوم به وفاقاً لدورها في إنزال الوحي والرزق وغير ذلك . ما تهدف إليه حركة التسخير هذه هو أن يتحرّك الإنسان صوب كماله النهائي . وعندما نأتي إلى القرآن لنستنطقه عن هدف الخلق ، يواجهنا قول الله سبحانه : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( الذاريات : 56 ) . وهذه العبارة لا تمثّل الهدف النهائي لوجود الخلق وإنّما هي وسيلة فقط لبلوغ الكمال النهائي المتمثّل في اليقين بالله وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ( الحجر : 99 ) . والذروة في هذا اليقين هو ما بلغه أنبياء الله العظام على هذا الخطّ ، حيث يصف القرآن الكريم مقام خليل الرحمن بقوله : وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ( الأنعام : 75 ) .
--> ( 1 ) الكافي : ج 2 ص 13 ، باب فطرة الخلق على التوحيد ، ح 4 .