منيع عبد الحليم محمود
42
مناهج المفسرين
فقال : ثلاثون ألف ورقة . فقالوا : هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه ، فاختصره لهم في ثلاثة آلاف ورقة . . والناظر في هذا التفسير يلمح ما بذله ابن جرير من جهد كبير في إتمامه ، لقد اعتنى فيه بجمع الآثار ، وتحقيق الأخبار ، ومدلولات اللغة ، وأحكام الشرع ، وأبدى رأيه مرجحا وموضحا وفاتحا المجال للاجتهاد والاختيار . . وقد قدم لتفسيره بعد الحمد والثناء والصلاة على خاتم الأنبياء فقال : ثم أما بعد : فإن من جسيم ما خص اللّه به أمة نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلم من الفضيلة ، وشرفهم به على سائر الأمم من المنازل الرفيعة ، وحباهم به من الكرامة السنية ، حفظه ما حفظ عليهم - جل ذكره وتقدست أسماؤه - من وحيه وتنزيله ، الذي جعله على حقيقة نبوة نبيهم صلّى اللّه عليه وسلم دلالة ، وعلى ما خصه به من الكرامة علامة واضحة ، وحجة بالغة ، أبانه به من كل كاذب ومفتر ، وفصل به بينهم وبين كل جاحد وملحد وفرق بينهم وبين كل كافر ومشرك ، الذي لو اجتمع جميع من بين أقطارها جنها وإنسها ، وصغيرها وكبيرها ، على أن يأتوا بسورة من مثله لم يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا . . فجعله لهم في دجى الظلم نورا ساطعا ، وفي سدف الشبه شهابا لامعا وفي مضلة المسالك دليلا هاديا وإلى سبل النجاة والحق حاديا . . . يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ . ( سورة المائدة الآية 61 ) حرسه بعين منه لا تنام ، وحاطه بركن منه لا يضام ، لا تهى على الأيام دعائمه ولا تبيد على طول الأزمان معالمه ، ولا يجوز عن قصد المحجة تابعه . ولا يضل عن سبل الهدى مصاحبه ، من اتبعه فاز وهدى ومن حاد عنه ضل وغوى ، فهو موئلهم الذي إليه عند الاختلاف يئلون ومعقلهم الذي