منيع عبد الحليم محمود

25

مناهج المفسرين

أربعين يوما بين أهله وعشيرته يتفقد أحوالهم ويتودد إليهم وينفق عليهم ما ادخره أثناء العام ، ثم يعود من جديد إلى بغداد . . . وصلة الأرحام من أنفس القربات في دين الإسلام الحنيف ومن الأمور التي تذكر بالخير للفراء هذا الموقف الكريم . يروى ابن النديم خبرا يحكيه أبو العباس ثعلب أن السبب في إملاء الفراء « الحدود » هو أن جماعة من أصحاب الكسائي صاروا إليه وسألوه أن يملى عليهم أبيات النحو ففعل ، فلما كان المجلس الثالث قال بعضهم لبعض : إن دام هذا على هذا علم النحو الصبيان والوجه أن يقعد عنه : فغضب وقال : سألوني القعود - يعنى للمحاضرة والإملاء - فلما قعدت تأخروا ، واللّه لأملئن النحو ما اجتمع اثنان - فأملى ذلك ست عشرة سنة ! ووثق به المأمون وبعلمه ، فاتخذه معلما لأولاده . ونأتى الآن إلى ( كتاب المعاني ) ويذكر ثعلب أن السبب في تأليفه أن عمر بن بكير كان من أصحابه ، وكان منقطعا إلى الحسن بن سهل ، فكتب إلى الفراء أن الأمير الحسن بن سهل ربما سألني عن الشيء بعد الشيء من القرآن فلا يحضرني فيه جواب ، فإن رأيت أن تجمع لي أصولا ، أو تجعل في ذلك كتابا أرجع إليه فعلت ! فقال الفراء لأصحابه : اجتمعوا حتى أملى عليكم كتابا في القرآن - وجعل لهم يوما حضروا فخرج إليهم ، وكان في المسجد رجل يؤذن ويقرأ بالناس في الصلاة وكان يكتب عن الفراء الوراقون - وهم تجار الكتب - ومع أن عدد من كان يحضر الدرس لا يكاد يحصى فإن الذي حرص على الكتابة هم : الوراقون ولما انتهى الفراء من الإملاء خزن الوراقون الكتاب ليبيعوه بثمن مرتفع جدا ، وشكا الناس إلى الفراء فاحضر الوراقين وأخذ يتحدث معهم في خفض ثمن النسخ فلم يفلح معهم وذلك لجشعهم .