يوسف المرعشلي
1034
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
العبادة والصلاة والذكر وقراءة القرآن الكريم ، وكثيرا ما كان يترك محل أبيه ليذهب إلى المسجد العمري الكبير أو مسجد الأمير منذر ، ثم تعرف إلى مفتي الجمهورية الشيخ محمد توفيق خالد وطلب منه أن يأذن له ولبعض إخوانه بالسفر إلى الأزهر الشريف لدراسة العلوم الشرعية ، وكان من زملائه في الدراسة السادة العلماء المشايخ : مختار العلايلي ، ومحمد الداعوق ، ومحمد الغزال ، ومحمد العربي العزوزي ، وأحمد العجوز ، ومحمود الشميطلي ، وهاشم دفتردار المدني وغيرهم ، حيث مكثوا في الأزهر سنوات يتلقون علوم القرآن والتفسير والفقه وأصول الفقه والنحو والصرف والأدب والبلاغة والعروض والتاريخ وعلوم المواريث والتوحيد والمنطق وعلم الفلك ومصطلح الحديث والحديث الشريف وتفسيره ، حتى صلب عوده ، وتوسّع تفكيره وازداد علمه . وما لبث الشيخ محمد سوبرة أن تعرف على شيخ الطريقة النقشبندية في مصر محمد أمين الكردي البغدادي كغيره من علماء لبنان ، وأخذ يتردد عليه بزياراته ، فأخذ الطريقة عنه . وحين رجع إلى بيروت أخذ الشيخ محمد سوبرة ينفع المسلمين بعلمه الغزير الواسع ، كما كانت له مواقف في الدفاع عن دين اللّه وشرعه ، والدفاع عن المسلمين ، ومساعدته للفقراء والعاجزين ، وكان له موقف مشرف في تأمين مقبرة للمسلمين هي مقبرة الشهداء ومسجد الشهداء . كان للشيخ محمد سوبرة درس ديني يومي يلقيه على طلابه في منزله في شارع صبرا ، وكان يحضر حلقات دروسه عدد وفير من الشباب الصالحين . فكان يلقّن علومه كما تلقّاها عن مشايخه بالسند المتصل إلى سيدنا رسول اللّه محمد صلّى اللّه عليه وسلم . وكان الشيخ سوبرة عالما وقورا ، محبا للعلم وأهله ، مخلصا فيه لا يخشى في الحق لومة لائم ، يجابه المسؤولين الكبار بالحقيقة وينصحهم للّه عز وجل ويسعى إليهم لخدمة عباد اللّه ، لا تغره زخارف الحياة ولا تستهويه مناصبها . كان دأبه العمل بالحديث الشريف : « لأن يهدي اللّه بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم » ، لذلك كنا نرى منزله المتواضع مفتوحا لطلاب العلم والمسترشدين ، فضلا عن أنه كان مدرّسا متبرعا بوقته وجهده وعلمه في سبيل اللّه ، وقاضيا متنقلا ، وكثيرا ما كان ينتقل من بلدة إلى بلدة في لبنان ومن بلد إلى بلد خارجه لإصلاح ذات البين ، أو لتدريب تلاميذه ومريديه ، يقرّ بفضله رجال الدين ويحترمه ذوو الغيرة وينزلون عند رأيه مستسلمين ، فيخنق الفتن في مهدها ويحقن الدماء ، لأنه كان حريصا جدا على أن لا تراق نقطة من دماء المسلمين في غير سبيل اللّه . وقد كان للشيخ محمد أحمد سوبرة الفضل في تحديد مقبرة الشهداء كما أسلفنا وكذلك مسجد الشهداء ، وقام ببناء المسجد وتسوير المقبرة ، يقول الشيخ عبد اللّه سوبرة ، ابن الشيخ محمد رحمه اللّه ، في دراسة كتبها عن سيرة والده ما يأتي : « ذكر لي جمع من طلاب الوالد المرحوم أن والدي عزم على أمر فيه خير المسلمين ، واحتاج في هذا العزم لوجود الوقت المناسب ، فكانت ثورة 1958 م وحصل فيها ما حصل ، فأتى المسلمون بموتاهم ليدفنوهم فلم يستطيعوا الوصول إلى مقبرة الباشورة بسبب وجود المدرعات التابعة للجيش اللبناني عند جسر البربير ، في ذلك الوقت علم الوالد بالأمر فانطلق مع مجموعة من أهالي الطريق الجديدة وحفروا قبورا حقيقية دفنوا فيها موتاهم ، وبعد أيام قليلة أمرت البلدية العمال أن يسيّجوا مكان وجود القبور لأنه لا يمكن كشف القبر بعد حفره وإهالة التراب عليه شرعا وقانونا وعرفا . وكان الوالد يريد أن تكون الأرض كلها هي المقبرة ويحدها شرقا مسجد الخاشقجي ( ولم يكن قد بني بعد ) وجنوبا مستديرة شاتيلا وغربا أرض جلول وشمالا منطقة قصقص ، حمد ، فأمر تلامذته بفك السياج وتعليم الأشجار كلها حتى لا تستطيع البلدية وضع سور حول القبور ، ثم بنى مكانا لصلاة الجنازة ومغسلا وبركة ماء لزوم صلاة الجنازة ، ومن ثم عمل على بناء المسجد الكبير حوله حيث ارتفعت مئذنته . وقد توفي الشيخ محمد أحمد سوبرة في جامع البسطة التحتا عقب انتهائه من صلاة الظهر بعدما صلى صلاة الجنازة على ابن خالته المرحوم الشيخ محمد عمر سوبرة ، فنقل إلى منزله حيث غسل وكفن