يوسف المرعشلي
1578
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
وعظيم اعتقادهم فيه . كان رحمه اللّه حاد البصر ، كان كثيرا ما يرى هلال رمضان وهلال شوال في أول ليلة مع علو سنه ، ويريه لبعض أولاده ومريديه ، ويأتي حينئذ للمحكمة الشرعية ومعه من رآه من جماعته ويشهدون بالرؤية فيزول بذلك الشك والارتياب وتقطع جهبزة قول كل خطيب . وكان رحمه اللّه دري اللون ، مستدير الوجه ، بدينا إلى القصر أقرب ، نيّر الشيبة جدّا ، مهابا لا يشك من رأى نورانية وجهه أن قلبه ملىء تقوى وإخلاصا . ولم يزل على ما هو عليه إلى أن وافته المنية مساء الثلاثاء ، عاشر رجب سنة 1327 ه ، ودفن من الغد ، واحتفل في جنازته احتفالا بالغ الحد ، ودفن في حجرة في المدرسة المتقدمة ، وكان الأسف عليه عظيما ، وكانت مدة قعوده على السجادة سبعة وستين سنة ، ولذا كثر أتباعه ومريدوه وصاروا لا يحصون كثرة ، رحمه اللّه تعالى . محيي الدين الجزائري « * » ( 1259 - 1336 ه ) الأمير ، المجاهد ، العالم ، الشاعر : محيي الدين ( باشا ) ابن ( الأمير ) عبد القادر بن محيي الدين ، الجزائري ، الحسني المتصل نسبه بالشيخ عبد القادر الجيلاني . ولد بالجزائر في 3 ربيع الثاني سنة 1259 ه ، ونشأ في حجر والده . حفظ القرآن الكريم وهو ابن ثماني سنين وشهور ، وأقبل على حفظ المتون المختلفة منظومها ومنثورها ، ثم قرأ فقه المالكية على الشيخ محمد بن عبد اللّه الخالدي المغربي وعلى غيره ، وقرأ جملة من الفنون على الشيخ محمد الجوخدار ، ثم قرأ على الشيخ محمد الطنطاوي الكتب الكبيرة في أنواع العلوم ، وحضر على والده في الحديث والتوحيد ، وأجازوه جميعا بما تجوز لهم روايته . ولما رأى فيه والده الأهلية للتدريس العام أمره بأن يقرأ درسا بحضرته وحضرة العلماء ؛ وكانت سنه إذ ذاك ثماني عشرة ؛ فأعجب به الحاضرون ، وأجازه والده على ذلك ترغيبا له بجائزة سنية . أنعم عليه السلطان عبد العزيز برتبة إزمير مع النيشان العثماني من الرتبة الثالثة . وفي عام 1282 ه خرج للسياحة في إيطاليا وسويسرا وفرنسا ، وزار الإمبراطور نابليون الثالث ؛ فأكرمه غاية الإكرام ، ودعاه إلى مائدته ، وأهداه وساما ثم غادر باريس إلى مصر عاد بعدها إلى دمشق . وفي رجب عام 1289 ه نشبت حرب بين فرنسا وألمانيا ؛ فانتصرت ألمانيا وتكبّدت فرنسا خسائر عظيمة ، فخطر ببال المترجم أن الحرب ستطول بين الدولتين وستكون الفرصة مواتية لتخليص الجزائر من الفرنسيين ، فسافر إلى الإسكندرية ، ومنها خفية إلى تونس ، وأكرمه حاكمها صادق باشا ، وشاع ذكره وأهداه وساما من الرتبة الأولى ، وكان المترجم يقصد التوجه إلى الجزائر فلم يتمكّن نظرا لشيوع خبره في تلك النواحي والأقطار ؛ فحرر لرؤساء الجزائر نحو مئتي كتاب لكي يتهيّؤوا للحرب عند قدومه ، وأرسلها خفية ، ثم ودّع الحاكم مظهرا أنه عائد إلى دمشق ، فتوجّه إلى مالطة فأخفى نفسه وتنكر بلباس الدراويش وتوجه إلى طرابلس الغرب ، ثم سافر برّا حتى وصل إلى المنصورة من قرى بلاد الجريد على الحدود الجزائرية التونسية فاستقبله أربع مئة فارس من الأشداء كان قد أرسل يخبرهم بوصوله ، فعاهدوه على القيام معه ، ونشب القتال في أماكن كثيرة ، اشترك في معارك ، ووقعت معارك بأمره لم يشترك فيها ، وقتل كثيرا من الفرنسيين ، ثم ما لبثت أن تصالحت فرنسا مع ألمانيا وأرسلت له الجيوش لمحاربته ، ثم التمست فرنسا من والده إرسال أمر له ليرجع بمن معه إلى حدود تونس ؛ فامتثل ورجع إلى الشام ، وبقي في صيدا نحوا من سنة ، ثم عاد إلى دمشق . وفي سنة 1296 ه أنعم عليه السلطان عبد الحميد برتبة ( مير ميران ) الرفيعة أي ( أمير الأمراء ) . ثم في سنة 1303 ه رقاه إلى رتبة ( روملي بيكلر
--> ( * ) « حلية البشر » للبيطار : 3 / 1423 - 1449 ، و « الأعلام الشرقية » لمجاهد : 1 / 40 ، و « تاريخ علماء دمشق » للحافظ : 1 / 358 .