يوسف المرعشلي
1574
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
أنلني مقاما في الجنان مؤرخا * ( فلطفك يا ذا العلم بالعبد محمود ) 1309 كان سيدي الوالد مربوع القامة ، أسمر اللون سمرة قليلة ، مستدير الوجه ، متوسط اللحية شاب معظمها قبيل وفاته ، كثير التبسّم ، دائم البشر ، حسن الملاقاة ، واسع الصدر لقاصده ، مبذول الجاه ، لا يألو جهدا في قضاء حوائج الناس ، رقيق القلب ، كثير الصدقات ، يقرض الحجّاج المنقطعين في مكة ما يوصلهم إلى حلب ، ويستأجر لهم الجمال ويشيعهم إلى ظاهر مكة ، وله في ذلك حكايات يتحدث بها عارفوه ، وكان لا تزعزعه الكوارث ولا تزعجه المصائب بل يتلقاها بقلب متين وعزم شديد ، لا يفرح مهما ربح في تجارته ولا تلقاه مهموما أو محزونا مهما خسر فيها ، هو هو في الحالتين وهذا الخلق قليل في الناس . وكان ناصحا في بيعه وشرائه ، مستقيما في أخذه وعطائه ، لا يروّج سلعته بيمين أو قسم بشيء ، وكان يحفظ كثيرا من فروع الفقه خصوصا أحكام البيع والشراء الصحيح منها من الفاسد ، ولم يكن وحده في هذه الصفة ، بل كان على ذلك معظم تجار المسلمين لا يتعاطى أحدهم التجارة إلا بعد الوقوف على جانب من علم الفقه ، بخلاف تجار هذا الزمان الذين قل فيهم من يعلم ذلك . وكان ماهرا في صنعة بصم المنديل التي كانت قبل خمسين سنة واسعة في حلب ، يتعاطاها نحو ستين شخصا ، يشغل كل واحد منهم فيها قدر عشرين شخصا ما بين صانع وأجير ، وتشغل هذه الصنعة قدر عشر مصابغ للتيل ، كل مصبغة فيها نحو عشر من الصناع ، وكان هذا المنديل يباع في بلاد القارص وأرزن الروم وأسعرد وآذنة وطرسوس وملاطية وغيرها من بلاد الأناضول ، وفي بغداد والموصل ومصر والحجاز والشام وطرابلس وحمص وحماة وحلب ، لكل ناحية أشكال مخصوصة يضعه فلاحو هذه البلاد على رؤوسهم رجالا ونساء ، ولما صارت الحرب الروسية العثمانية سنة 1290 ه ، واستولت روسية على مقاطعة القارص بطل ما كان يباع إليها ، لأن الحكومة الروسية وضعت على ما يدخلها إلى بلادها مكسا ثمانين في المئة ، وكان مبلغا عظيما يشغل عدة مطابع ، وما يباع في باقي البلاد أخذ في التدني بمزاحمة البضائع الإفرنجية ، وكلما تدنّت وقل رواجها يقل من عدد هؤلاء المعلمين ، بعضهم افتقر وبعضهم تعاطى صنعة غيرها ، وكنت مع اشتغالي بخدمة العلم أتعاطاها وأتعاطى التجارة مع أخوىّ الحاج بشير والحاج عبد القادر في الخان المعروف بخان العلبية ثم بخان البرغل ، وفي سنة 1334 في المحرم توفي أخي الحاج بشير وقد كان أحذقنا في هذه الصنعة ، وفي سنة 1339 ه تركنا هذه الصنعة بتاتا لقلة رواجها ، وفي هذه السنة أعني سنة 1345 ه لم يبق من معلمي هذه الصنعة سوى اثنين ، ولا يباع هذا المنديل الآن إلا على فلاحي قرى حلب وحماة وحمص والدير ، وقد كان يباع إلى بعض بلاد الأناضول وله هناك شيء من الرواج ، وقد بطل ذلك في هذه السنين الثلاث من حين ما ألزم مصطفى كمال باشا رئيس الجمهورية التركية الأتراك بلبس القبعة ( البرنيطة ) ، وربما بطل الباقي بعد سنين قلائل وقد مضى على وجود هذه الصنعة في حلب أكثر من مائتين وخمسين سنة ، ومكتوب على لوح قبر جد والدي : الحاج أحمد بن محمد الطباخ البصمجي ، وقد كانت وفاته سنة ( 1242 ه ) . والشاش الذي يطبع عليه كان قبل ثمانين سنة يحاك في حلب ويقصر فيها ، وتسمى صنعته جبّدارا ، وكان يشتغل فيها نحو ألفي شخص كان البعض يؤخذ للبصم والبعض يتخذ للقمصان وغير ذلك ، إلا أنه لم يكن متنوعا في القماش والعرض مثل الذي يجلب في هذه الأزمنة من مانجستر ، بل كان أنواعا وعروضا معدودة ، ولما صار يأتي الشاش من مانجستر وهو أتقن صنعة وأشد بياضا وأكثر أنواعا وأرخص سعرا ، صار ظلّ هذه الصنعة يتقلّص إلى أن اضمحلت قبل سبعين سنة من حلب ولم يبق لها أثر الآن ، وكثير من الصنائع التي كانت في حلب وغيرها من بلاد الشرق اضمحلت وتلاشت بمزاحمة الصنائع الغربية وللّه في خلقه شؤون . محمود الموصلي - محمود بن محمد بن عبد الرحمن ( ت 1356 ه ) .