يوسف المرعشلي
1536
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
العبدلية الزيتونية ، ولم يكن يدخل منزل والده إلا ليلا عند انتهاء أشغاله العلمية . قرأ على المفتين : أحمد بن الخوجة ، وحسين بن حسين ، ومحمد النجار ، ومحمد بيرم ، وسالم بو حاجب ، والمشايخ : عمار بن سعيدان ، ومحمد الشاذلي بن القاضي ، وغيرهما ، واجتاز امتحان شهادة التطويع سنة 1297 / 1866 ، ونجح بتفوق ، ونال الإعجاب والتقدير ، واستقرت منزلته العالية في نفوس المشايخ النظّار ( المشرفين على إدارة الجامع المسماة بالنظارة العلمية ) إلى أن حصل شغور في التدريس من الطبقة الثانية ، ولم تمض على نجاحه في امتحان شهادة التطويع أشهر عديدة فانتخبه النظّار لخطة التدريس من الطبقة الثانية سنة 1298 / 1867 ، وانتقل إلى التدريس من الطبقة الأولى سنة 1311 / 1880 ، واشتغل بالعدالة ( التوثيق ) حتى عدّ عن أشهر الموثقين وأفقههم بالإجراءات على المذهب الحنفي ، وزاد اشتهارا بذلك عند ولاية صديقه الشيخ إسماعيل الصفايحي خطة القضاء الحنفي واعتماده عليه في تهيئة النوازل للقضاء ، ثم عمل عدلا بجمعية الأوقاف ، وترقّى من ناظر العدول بها إلى خطة كاتب أول ، ثم سمي عضوا بمجلس الجمعية على عهد الرئيس البشير صفر ، وحاز شهرة علمية فائقة ، ودعي سنة 1316 / 1896 للسفر إلى باريس لتمثيل جامع الزيتونة في مؤتمر المستشرقين ، وكان سفره بصحبة صديقه الشيخ محمود بن محمود ، والمستشرقين الفرنسيين برنار روا الكاتب العام للحكومة التونسية ، ولويس ماشويل مدير العلوم والمعارف ، وفي هذه الرحلة قلّد وسام العلوم من الدرجة الأولى ، كما سمّي عضوا في مجلس إصلاح التعليم بجامع الزيتونة مرتين الأولى سنة 1328 / 1908 ، والثانية 1342 / 1924 ، وعضوا في لجنة إصلاح نظام العدول التي انعقدت برئاسة المقيم العام لوسيان سان ، وصدر عنها الأمر المؤرّخ في محرم سنة 1348 ه المعمول به الآن في نظام الإشهاد العام . وفي حدود سنة 1317 / 1897 قام برحلة زار فيها مصر ، وإستانبول ، ولقي العلماء منهم الشيخ محمد نجيب المطيعي الذي كان يحبه ويعجب به . أما عمله في دار الشريعة فقد ولي خطة الإفتاء سنة 1334 / 1894 ، فأظهر البراعة في التطبيق والضلاعة في جلب النصوص الفقهية ، والنظر الدقيق في طرق الإجراءات وسير النوازل ، وكانت له مواقف شهيرة في العمل لمخالفة طرائق الفقهاء بالقضاء لا يقرّها التحقيق ولا التطبيق . ولما أسندت إليه مشيخة الإسلام الحنفية قام بأعبائها سبع سنين في نشاط لائق وحكمة في إدارة المجلس الحنفي ودقة في إجراء النوازل لا تبقي وراءها مجالا للنظر ، واستمر قائما بأعباء هذا العمل إلى أن اختاره اللّه لجواره صباح يوم الخميس في 25 شوال 1358 ه ، ورفع جثمانه من منزله صباح الجمعة بمحضر الأمير أحمد باشا باي الثاني ، وصلي عليه بساحة القصبة ، ودفن بمقبرة الزلاج . وهو في الأدب كثير الميل إلى الناحية الفنية ، ولذلك كان يتعصب للشعر الأندلسي ، ويعكف على مطالعة « نفح الطيب » ، ويذهب مذهب الأندلسيين في تفضيل طريقة البحتري على طريقة أبي تمّام والمتنبي ، فكان يرى أن العمل الفني الشعري هو العمل الذي يعدّ ابتكار المعنى من اختيار الألفاظ والذوق في تركيبها وصبغ التركيب صبغة تحسين بها تلقي النفوس للمعاني التي يريد الشاعر أداءها ، فذلك هو الفن الشعري عنده ، وذلك هو عمل الشعراء الذين تفاوتوا في إجادته ، وكان يرى أن للأذن حكما لا يرفض في هذا الغرض . قام بتدريس « مقامات الحريري » بجامع الزيتونة في حدود سنة 1315 ، وعلى أصوله النقدية هذّب شعر ونثره حتى أتى في النثر بالمتين المعجب ، وفي الشعر بالرقيق المغرب . مؤلفاته : - رسالة أدبية حرّرها لأحد أصدقائه يردّ مذهبه في تفضيل المتنبي على البحتري ، ويوضّح أن مدار جو الشعر في نظره على الرقة والسلامة .