يوسف المرعشلي

1534

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

ولما دخل الفرنسيون دمشق قارعهم وكان مرّا عليهم رغم كبر سنه ، فكان يقارعهم وهو فوق الثمانين ، فألقوا القبض عليه وحبسوه في سجن القلعة ، فبلغ الخبر السيد محمد بن جعفر الكتاني فأسرع إلى الشيخ بدر الدين الحسني في دار الحديث ، فخرجا يقصدان الحاكم العسكري الفرنسي الجنرال جونقيل عند البرلمان في طريق الصالحية ، وعندما سمع الناس بخروج الشيخين أغلقوا الدكاكين ومشوا في ركابهما حق ملؤوا الطريق ، وفزع الحاكم من الجموع ، فلما علم الأمر خرج لاستقبال الشيخين ، فرحّب بهما ودعاهما للدخول ، فلم يقبلا ، فأمر بإحضار كرسيين وجلس إليهما مستفسرا عما يريدان ، فلما أفصح الشيخ بدر الدين عن غرضه قال : إنه تحت أمره وإنه كان يكفي أن يرسل من قبله شخصا دون أن يكلّف نفسه عناء الحضور . ولما رجع إلى دار الحديث وجد صاحب الترجمة في انتظاره بغرفته ليشكره . خلّف في الطريق ابنه الشيخ أحمد ، ثم من بعده الشيخ محمد بن الهاشمي . توفي بدمشق سنة 1346 ه ، ودفن في مقبرة الباب الصغير . وقد بني مؤخرا في وهران مسجد وزاوية يحملان اسمه . محمد بن اليمني الناصري « * » ( 1308 - 1391 ه ) محمد بن اليمني الناصري الرباطي أصلا ، نزيل المدينة المنورة . قال ابن سودة : جاء في رحلتنا « لبّ الغيبة إلى مكة وطيبة » في حق المترجم ما نصه : ولما دخلت إلى الحرم النبوي وجدت الشيخ العلامة المطلع ، الشاعر المقتدر ، محمد بن اليمني الناصري جالسا قبالة الروضة الشريفة بدكّانة الأغوات كما تسمى الآن ، وهي دار أهل الصفة التي كانت زمن النبي صلّى اللّه عليه وسلم كما ذكر لي . وقد بلغني أنه ينوب عن أهل المغرب بالمدينة المنورة ، وله أجرة على ذلك من قبل السفارة المغربية شهريّا أو قل من الميزانية المغربية ، وقد رأيته جالسا في المحل المذكور يتقدم إليه المغاربة رجالا ونساء أفواجا أفواجا ويقدمون له مبالغ مالية ربما لا يستهان بها ، فيأمر عبيد الحرم بالتناوب بينهم بتزوير ذلك الرجل أو تلك المرأة فيأخذ العبد بيده ويصير يتزاحم به أو بها وربما أفرج له الناس لأنه من عبيد الحرم ، وله بذلة خاصة حتى يصل به إلى المواجهة الشريفة ويأمره باللمس والتقبيل ويذكر له بعض الدعوات يحفظها من الدعوات الغير الواردة المأثورة ، وجميع ما يقبضه الشيخ المذكور يجعله تحت لبدته ولعله يقسمه مع عبيد الحرم . كنت أعرف الرجل بالمغرب وأقرأ شعره منشورا في بعض الصحف والمجلات ، رأيت له كتابا رد فيه على أصحاب الطرق طبع قديما ، وأخيرا رأيت له تقريظا على كتاب المعسول للشيخ محمد المختار السوسي ، فتقدمت إليه فلما رآني أظهر بعض الفرح وقال : سمعت أنك تحجّ هذه السنة وما تحققت ذلك حتى رأيتك . وبعد المذاكرة حول الطريقة الناصرية وأنها كانت منتشرة في جميع شمال إفريقيا لكنها الآن ضعفت ، وعلى الزوايا الناصرية بالمغرب ، وزاوية تامگروت والكتب التي وجدت بها أخيرا وأنها رجعت إلى محلها ، وعلى دالية الإمام الحسن اليوسي وأنها تفتقد شرحا كافيا عليها ، وقلت له : أن شيخنا محمد الراضي بن علي السناني المتوفى سنة خمس وثمانين وثلاثمائة وألف وضع شرحا عليها ، فتعجب من ذلك ، ولكن قلت له : إن شيخنا لا يسرع في الكتابة كما لا يسرع في الدرس . وبعد الاتصال به مرارا طلبت منه أن أكتب ترجمته فذكر لي أنه ولد بالرباط يوم الخميس تاسع رجب سنة ثمان وثلاثمائة وألف ، وأخذ العلم أولا ببلده ثم بالمدينة المنورة لأنه هاجر إليها مع الشيخ محمد بن جعفر الكتاني سنة ثلاثين وثلاثمائة وألف ، وبقي هناك إلى قعدة عام اثنين وثلاثين وثلاثمائة وألف فأخذ عنه

--> ( * ) « سلّ النصال » لابن سودة ، ص : 211 - 212 .