يوسف المرعشلي

1497

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

المدني بن عزوز ، وكنّاه بأبي طالب تيمّنا بأبي طالب المكي صاحب « قوت القلوب » ، الإمام العلامة المحدث المقرئ الرياضي الفرضي ، الصوفي ، المسند الشهير . ولد بنفطة في 15 رمضان . قال عبد الحي الكتاني في « فهرس الفهارس » : « وهذا الرجل مسند إفريقية ونادرتها ، ولم نر ونسمع فيها أكثر اعتناء منه بالرواية والإسناد والإتقان والمعرفة ومزيد تبحّر في بقية العلوم ، والاطلاع على الخبايا والغرائب من الفنون والكتب ، والرحلة الواسعة ، وكثرة الشيوخ ، إلى طيب منبت وكريم أرومة ، وكان كثير التهافت على جمع الفهارس وتملكها ، حتى حدّثني الهامل الشمس محمد بن عبد الرحمن الديسي الجزائري الضرير ، أنه اشترى ثبت السقاط وهو في نحو الكراسين بأربعين ريالا ، وهذا بذل عجيب بالنسبة لحاله ، وأعجب ما كان فيه الهيام بالأثر والدعاء إلى السنة مع كونه كان شيخ طريقة ومن المطلعين على الأفكار العصرية ، وهذه نادرة النوادر في زماننا هذا الذي يكثر فيه الإفراط والتفريط . حلّاه شيخ الإسلام بمكة الشهاب دحلان في إجازته له بقوله : قد اشتهر في الأقطار وبلا شك ولا مين لا سيما بالحرمين الشريفين بالعلم والعمل ، نخبة العلماء والأعيان ، وخلاصة الأعيان من ذوي العرفان ، سراج إفريقية ، بل بدر تلك الأصقاع الغربية ، الأستاذ الكامل ، جامع ما تفرق من الفضائل والفواضل إلخ » ، وهذه حلى نادرة من مثل الشيخ دحلان ، يعلم ذلك من تتبع حلاه في إجازاته لأهل المشرق والمغرب ، وهي كثيرة . تولّى والده تربيته وتوجيهه وتعليمه ، وكانت توزر ونفطة في عهده آهلتين بالعلم ، زاخرتين بالأدب ، ناشطتين في حركة التدريس والتأليف ، حتى اشتهرتا باسم الكوفة والبصرة . وتلقّى عن علماء الجريد أمثال عمّه المدني بن عزوز ، والنوري بن بلقاسم النفطي ، وإبراهيم البختري التوزري ، ثم ارتحل إلى تونس والتحق بجامع الزيتونة ، فأخذ عن جماعة منهم البشير التواتي المقرئ وأجازه بما حواه ثبته في القراءات ، وعمر بن الشيخ ، ومحمد الشاذلي بن صالح ، وشيخ الإسلام أحمد بن الخوجة ، وسالم بو حاجب ، ومحمد النجار ، ومصطفى رضوان ، وتخرّج منه بإحرازه على شهادة التطويع . تولّى مشيخة الطريقة بعد وفاة والده ، وتولّى خطة الفتوى ببلد نفطة سنة 1297 / 1883 ثم خطة القضاء بها ، ثم انتقل إلى تونس وباشر التدريس بجامع الزيتونة بصفة مدرّس غير رسمي سنة 1309 / 1890 ، وامتازت دروسه بغزارة المادة وفصاحة القول ، ورشاقة الأسلوب وجاذبيته ، فأقبل عليها الوارد ، وعدّ من العلماء البارزين ، وانتفع به جماعة منهم : ابن أخته محمد الخضر حسين ، وعبد العزيز الثعالبي . جمع كثيرا من نفائس الكتب التي أثرى لها خزانته الآيلة إليه من أبيه وجده ، وكان مغرما باقتناء نفائس الكتب التي تصله من الجزائر والجنوب التونسي ، لا يستكثر البذل حتى جمع مكتبة زاهرة بالنفائس والنوادر . سافر إلى القطر الجزائري واتصل هنالك بالأستاذ المربي الشيخ محمد بن أبي القاسم صاحب زاوية بو سعادة من سلسلة جبال الزاب والسبخة المعروفة بزاوية الهامل ، فاتخذ الشيخ محمد بن أبي القاسم شيخ سلوك وتربية ، واتصل بعلماء الجزائر ثم رجع إلى تونس مقبلا على ما كان بعد منقطعا من علوم الرياضيات مجدّدا لعهدها مروّجا لكتبها ، واشتهر بالتفوّق في الأدب شعرا ونثرا ، وبالبراعة في العلوم الرياضية . ورحل إلى المشرق فأقام ببنغازي مدة ، ثم انتقل إلى مصر والحجاز والشام ، واجتمع بكثير من الأعلام واستجاز وأجاز ، واستفاد وأفاد ، ثم توجه إلى إستانبول سنة 1313 / 1894 ، وتولّى بها تدريس الحديث بدار الفنون ، ثم سمي مدرّسا بمدرسة الواعظين . ونقل معه إلى إستانبول خزانة كتبه متكلفا في ذلك المشاق وهناك تمكن من توسيع مكتبته ، ومدينة إستانبول مقرّ لنفائس الكتب الواردة إليها من المشرق والمغرب فهو مغرم دائما باقتناء الكتب أينما حل وارتحل . توفي بالآستانة ، وترك مؤلفات كثيرة في القراءات والأسانيد والفلك والفقه والتصوف وهو من أكثر التونسيين تأليفا في القديم والحديث ، ولا يقاربه في كثرة الانتاج من المعاصرين إلا المرحوم محمد المرزوقي ، وتآليفه استقصاها البغدادي في « إيضاح المكنون » وعليه المعوّل في حصرها .