يوسف المرعشلي
1494
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
والمدينة المنورة ، وبقي فيهما سنوات طويلة يقرأ على علمائهما ، ويحصل على إجازاتهم ، ومنهم : الشيخ علي المالكي ، والشيخ علي أعظم ، والشيخ عمر حمدان المحرسي ، والشيخ عبد الباقي الهندي الأنصاري ، والشيخ عبد القادر الشلبي الطرابلسي . انتقل بعد ذلك إلى دمشق مع والده وأخيه ؛ فنزلوا بحارة الشالة في حي سوقساروجة . وفي دمشق قرأ على علمائها ، فلازم الشيخ أمين سويد وأخذ عنه الإلهيات والتصوف ، وكتب الشيخ محيي الدين بن عربي وعلومه ، والفتوحات المكية كلها ، وكانت قراءته عليه في جامع الدرويشية في مجالس خاصة لا يحضرها إلا الخواص من أصحاب الشيخ أمين . وقد شهد له شيخه المذكور بطول الباع في العلوم ، وقدّمه في المعرفة الإلهية ، وأجازه بالمعقول والمنقول والطرائق والمسلسلات والمرويات وبكل ما أجيز به إجازة عامة . كما أخذ علمي الرواية والدراية وبعض العلوم الكونية عن الشيخ بدر الدين الحسني ، وأجازه . كما قرأ على الشيخ توفيق الأيوبي ، وكانت بينهما صحبة ومودة . وبعد مدة عاد إلى المغرب مع أسرته ، واشترك مع والده في الجهاد ضد الفرنسيين ، ثم لما توفي والده في مدينة فاس سنة 1345 ه ، رجع إلى دمشق ؛ فاستقر بها قائما على التدريس والإرشاد . سلك على والده في الطريق أولا ، ثم بعد وفاته التزم الشيخ أمين سويد فتمّم عليه سلوكه . حصل على إجازات عديدة جدّا شفهية وخطية ، أهمها : إجازته من والده الذي أجازه بالمعقول والمنقول وبالطرق الصوفية الأربعين ، والرواية والدراية ، والشريعة ، والطريقة والحقيقة ، ولا سيما الطريقة الشاذلية الدرقاوية بفرعيها المدني والبوزيدي . وأجازه محدث المغرب السيد محمد عبد الحي الكتاني ، وحصل على إجازات علماء الحجاز والمغرب والشام ، ومنهم الشيخ أمين سويد كما تقدم . درّس بداره في حي الصالحية ، ثم درّس بداره في حي الميدان ، ثم بداره في حي العمارة ، كما درّس في مختلف مساجد دمشق ، والمسجد الأموي حسبة دون أجر مدة طويلة . أقرأ شتى العلوم والفنون وبخاصة الحديث الشريف رواية ودراية والتصوف ، والفقه المالكي . نشط في تأسيس الجمعيات ؛ فأسّس ( جمعية تحرير المغرب العربي ) لدعم المجاهدين المغاربة والجزائريين ، ومساعدة الطلبة ، وساهم بإنشاء ( رابطة العلماء ) بدمشق ، وكان فيها نائبا للرئيس الشيخ أبي الخير الميداني ، ثم أصبح رئيسها بعد وفاته سنة 1380 ه ، كما كان قد أسس من قبل ( رابطة شباب دمشق ) . وساهم أيضا بإنشاء ( رابطة العالم الإسلامي ) بمكة المكرمة ، وكان عضوا فيها ممثلا لعلماء سورية منذ إنشائها إلى وفاته . واشترك بتأسيس ( رابطة العلماء ) بالمغرب . وأسهم في عدد من الجمعيات ، منها : ( جمعية الهداية الإسلامية ) ، و ( الجمعية الغراء ) ، و ( جمعية أنصار المغرب العربي وتحريره ) ، و ( جمعية توسيع مسجد الشيخ الأكبر ) . تولى منصب إفتاء المذهب المالكي في سورية . زار المغرب بدعوة من الملك الحسن الثاني سنة 1382 ه ؛ فاستقبل هناك استقبالا رسميّا وسعبيّا نظرا لمكانته الإسلامية المرموقة ، ولما تتمتع به أسرته من مركز علمي وشعبي ، وكان إذ ذاك عميد الأسرة الكتانية المشهورة . عالم جليل ، عظيم القدر ، حاز على صفات خلقية عليا ، كثير التلاوة للقرآن الكريم ، رطب اللسان بالذكر يهتم بالسنة المطهرة ويطبقها ، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، يحب العلماء ويحترمهم في حضورها وغيبتهم ، ويثني على من يستحق الثناء منهم ، لا يذكر الناس إلا بخير ، متواضع حييّ ، عليه سيماء الهيبة كريم مبسوط اليد ، خصص في داره غرفة واسعة لزواره قلّما كانت تخلو ليلا ولا نهارا ، بارّ بأرحامه واصل لهم ، يسأل عنهم ويبدؤهم بالزيارة ، يقسم لهم شطر ماله ، ويجعل الشطر الآخر نصفين : نصفا لضيوفه ، ونصفا لأهل بيته . كان ذا نكتة حلوة ، وبديهة حاضرة ، وذكاء لماح شهد له علماء عصره بأنه المرجع في الفقه المالكي والتصوف ، وكلام القوم ورموزهم . كره البدعة وأحب السنة ووقف عند حدود اللّه غزير الدمعة وحزنه كبير ، تميل إليه النفس وتحبه مع