يوسف المرعشلي

1469

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

ولد بدمشق سنة 1307 ه ، ونشأ في كنف والده ورعايته ، دخل المدارس الرسمية ، ثم طلب العلم على والده وتلاميذه . عيّن مدرسا للعلوم الدينية في المدرسة السلطانية بدمشق سنة 1331 ه / 1912 م ، ثم كان من أعضاء مجلس إصلاح المدارس ، ومن أعضاء المجلس العمومي لولاية سورية ( في عهد العثمانيين ) . وتولّى تحرير جريدة الشرق سنة 1335 ه / 1916 م . وفي العهد الفيصلي انتخب عضوا في المؤتمر السوري ، وعيّنه الملك فيصل سنة 1920 م مديرا عامّا للأمور العلمية في دائرة كانت مرجعا أعلى لدوائر الأوقاف والفتوى والمحاكم الشرعية والخط الحجازي ، وهذه الوظائف تشبه المشيخة الإسلامية في العهد العثماني . درّس في معهد الحقوق مادة أصول الفقه والأحوال الشخصية والفرائض والوصايا . خرج لوداع الملك فيصل الذي دمعت عيناه لمّا رآه ، ثم لما دخل الجنرال غورو دمشق دعي المترجم لاستقباله بصفته الرسمية فامتنع وقال عبارته المشهورة : « من ودّع فيصلا لا يستقبل غورو » ، فأقصي عن عمله . وبقي شهورا عدة منزويا ، وتشكل بعدئذ وفد لمقابلة الجنرال غورو في أمور تتعلق بمصلحة البلاد ، وكان أن بيّنوا له من جملة الحديث مكانة الشيخ تاج ، وأنّ عزله عن مناصبه لا يليق ، فعيّن حينذاك عضوا في مجلس الشورى . ثم في محكمة التمييز ، وبعد ذلك صار قاضيا شرعيّا . وبعدما قامت الثورة السورية قدم صبحي بركات استقالته من رئاسة الحكومة في 21 كانون الأول سنة 1925 م ، فدعي المترجم لتأليف حكومة جديدة ، فوضع لقبوله شروطا تتضمن الاعتراف بالأماني الوطنية ، ولما رفضت اعتذر ورحل إلى فرنسا ليتصل بالأوساط السياسية المختلفة ، ويطلع الرأي العام الفرنسي على ما يجري في سورية . وعند انتهاء الثورة كانت البلاد تتخبط بالفوضى والمشكلات ، ورأى المفوض السامي دوجوفنيل أنه بحاجة لرجل حازم حكيم محبوب عند الناس موثوق به ليهدىء الأمور ؛ فعرض على الشيخ تاج رئاسة الدولة فرفض أولا ، ثم رضي حقنا للدماء ، وذلك في 14 شباط عام 1928 م ، وعندئذ قامت ضده الشائعات بترويج من خصومه السياسيين ، وتعرّض لسخط كثيرين من المحتجين ، ولكنه نجح في نشر الهدوء . بدأ عهده بإصدار عفو عن السجناء السياسيين ، وإلغاء الأحكام العرفية التي ظلت قائمة خلال ثلاث سنوات ، كما اهتم بأسر الثوار ، وكان يمدّ الوطنيين بالمساعدات المالية إلى جانب قيامه بالمشاريع العمرانية . وبعد مدة من حكمه أقنع الفرنسيين بضرورة انتخاب جمعية تأسيسية تضع دستورا للبلاد ، فقامت على أثر ذلك انتخابات عامة في 25 نيسان سنة 1928 م ، واستطاع بدهائه وحنكته السياسية إدخال جميع العناصر الوطنية التي سيطرت على الجمعية ، وعملت لمصلحة البلاد . ثم نصح للفرنسيين بنشر الدستور التي تبنته الجمعية ، فنشروه في 14 أيار سنة 1931 م ، وهي السنة التي انتهت فيها رئاسته . وفي سنة 1934 م دعي مرة أخرى لتأليف الوزارة من جديد فقبل ، ومضى على سياسته الأولى فتمم ما كان بدأه من مشاريع عمرانية خلال حكمه الأول ، حتى إذا كانت سنة 1936 م استقال وسافر إلى أوروبا يتنقل بين عواصمها ويشرح قضية وطنه . وأنهى تطوافه بإقامته في باريس ، فبقي فيها إلى قيام الحرب العالمية الثانية ، فرجع عائدا إلى دمشق ، واستقبل فيها استقبالا حافلا . بعد ذلك تولّى رئاسة الجمهورية في 17 أيلول سنة 1941 م ، وبقي فيها حتى وفاته ، وكلف حسن الحكيم برئاسة وزرائه . وحصل بعد تولّيه الرئاسة أن استقلت سورية ، ووقّع على وثيقة الاستقلال ممثلون عن فرنسا وبريطانيا وأمريكا في اجتماع تاريخي حضره مندوبون من كثير من الدول العربية وغيرها ، ثم توالت الاعترافات بالجمهورية السورية المستقلة . كان المترجم شخصية سياسية بارزة تتحلى بالذكاء والدهاء وحسن التودد إلى الناس ، وكان يرغب في معرفة الرجال ، ومخالطة المجتمعات ، ويحب المغامرة ،