يوسف المرعشلي
1445
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
الرحمن آغا بن حنيف آغا بن إسماعيل المشهور بالحنيفي ، العالم الفاضل ، والألمعي الكامل ، أحد من تزينت الشهباء بحلي فضله ، واستضاءت أرجاؤها بأنوار علمه ، وازدان جيدها بعقود كماله ، وتعطرت بطيب سيرته . ولد رحمه اللّه سنة 1292 ، ولما ترعرع دخل المكتب العسكري الواقع غربي القلعة ، الذي صار الآن مدرسة للصنائع ، ثم انتظم في سلك طلاب العلوم الدينية ، ولازم الحضور على مفتي حلب الشيخ بكري الزبري ، وعلى الشيخ إبراهيم اللبابيدي ، وعلى الشيخ راجي مكناس لازمهما في مبادئ العلوم مقدار ثلاث سنوات ، ثم ذهب إلى مصر أواخر سنة 1314 ، فدخل الأزهر ، وهناك قرأ على شيخ الديار المصرية الشيخ محمد بخيت قرأ عليه التوحيد والأصول ، وقرأ « السراجية » في علم الفرائض على الشيخ عبد الرحمن البحراوي الفقيه الحنفي المشهور ، وقرأ بعضا من « شرح السعد » و « حواشيه » في علم المعاني والبيان على الشيخ البولاقي ، وقرأ على الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية « رسالته » في التوحيد و « شرح الملوي على السلم » في المنطق . وعاد إلى وطنه أواخر سنة 1318 ، فتكون مدة مجاورته في الأزهر أربع سنين كوامل ، وبعد رجوعه جاور في المدرسة العثمانية ، وقرأ على شيخنا العلامة الكبير الشيخ محمد الزرقا مدة يسيرة ، ورافقنا مدة في الحضور على شيخنا الشيخ بشير الغزي في « صحيح البخاري » . وظائفه : لمعرفته باللغة التركية وقد كان تعلمها من المكتب العسكري عيّن مترجما لجريدة الفرات الرسمية التي تصدر باللغتين العربية والتركية ، وفي أوائل الاحتلال العربي وذلك سنة 1337 عيّن كاتبا للجنة التي تألفت من وجوه الشهباء لتعيين المأمورين ، ثم عيّن كاتبا ثانيا في المجلس الإداري ، ثم عيّن معلّما للعلوم العربية في دار المعلمين والمعلمات ، وذلك حينما كان ابن عمته ساطع بك الحصري الذي كان وزيرا للمعارف في عهد الحكومة العربية الفيصلية في دمشق ، والذي هو الآن معاون لوزير المعارف في حكومة العراق الفيصلية ، ثم عيّن في لجنة توجيه الجهات في دائرة الأوقاف ، ولما فتحت المدرسة الخسروية وذلك سنة 1340 عيّن مدرّسا للتفسير والتوحيد وعلم المعاني والبيان ، ثم عيّن مدرسا للمدرسة العثمانية ، بقي على ذلك إلى شهر ذي القعدة من سنة 1342 ه ، ففيه ذهب إلى الديار الحجازية لأداء فريضة الحج ، فمرّ في طريقه إلى مصر ، وذهب لزيارة شيخه الشيخ محمد بخيت ، فلقي منه كمال الحفاوة . وفي أثناء وجوده في مكة زار الشريف حسينا فلقي منه كذلك كمال الإقبال ، وبعد أداء مناسك الحج عاد في الخامس عشر من شهر ذي الحجة إلى جدة ، ولما كان في نحو منتصف الطرق لفحته الرمضاء فتوعّك جسمه وانحلت قواه وألمّت به حمى شديدة تسمى في تلك البلاد الحمى الخطافة ، فوصل إلى جدة وقد ازداد به المرض ، فاستدعي له الطبيب فلم ينجع فيه دواء ، وفاضت روحه الكريمة ليلة السادس عشر من شهر ذي الحجة ، ودفن من الغد في تربة هناك ، ولما جاء نبأ نعيه إلى حلب أسف الناس عليه أسفا لا مزيد عليه ، وبكى الكثير لأفول نير شمسه الذي كان ساطعا في سماء الشهباء وغيبوبته تحت أطباق الثرى ، ولا ريب أن المصاب به كان جللا والخسارة بفقد ذاك العلم كانت عظيمة ، فقد كان حسنة من حسنات هذه الديار ودرة يتيمة في تاج هذا العصر . وكان رحمه اللّه حسن الخلق ، محمود السيرة ، صافي القلب ، شريف النفس ، سامي المبدأ ، ناصحا في دينه ، لا يجد الغش مسلكا إلى قلبه ، ولا الخداع موطنا في فؤاده ، رقيق الطبع ، حسن العشرة متأنيا في حركاته ، ساكنا مع أصالة رأي ، وبالجملة فهو جدير بقول من قال : له صحائف أخلاق مهذبة * منها الحجا والعلا والفضل ينتسخ وكان له في علم التوحيد والتفسير والأصول والفقه والمعاني والبيان اليد الطولى مع حسن التقرير والتفهيم ، أجمع من قرأ عليه أن تقريره كان يدخل إلى الآذان بلا استئذان ، وكان ذا همة عالية في دروسه ، لا تجده إلا في مطالعة أو إلقاء لها ، لا يعرف الكلل ولا الملل في ذلك .