يوسف المرعشلي
1437
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
وحوالي سنة 1306 / 1888 أحدثت أول مدرسة ابتدائية لتعليم الفرنسية والعربية في المدرسة الحسينية ، ولم يقع إقبال الجمهور على هذا النوع من التعليم لأسباب نفسية وعقلية ، فاستنجدت السلطة بأعيان المدينة لإقناع الناس والتأثير عليهم لإرسال أبنائهم إلى هذه المدرسة ، وكان والد المترجم جارا لخليفة المدينة السيد عمر قدور فاستدعاه وألحّ عليه في توجيه ابنه إلى المدرسة فلبى رغبته فدخل هاته المدرسة ، وأقبل على تعلم اللغة الفرنسية ، ويحضر بجامع المدرسة دروس العربية التي يلقيها الشيخ أحمد الفراتي باش مفتي المدينة ، ولم يكد يجاوز ثلاث سنوات من التعلم بهاته المدرسة حتى أصيب برمد شديد في عينه اليسرى ، واليمنى فقدها من قبل في مراحل الطفولة الأولى وأجبرته العلة الطاغية على مبارحة المدرسة ، ولم يترشّح لامتحان الشهادة الابتدائية ، ولم يمهله الداء طويلا فقد فقد كريمته الأخرى وأصبح كفيفا بالرغم من عرضه على الطبيب الوحيد بالمدينة ووقوعه في حبالة متطبب دجال ، وسافر إلى العاصمة للمعالجة ، لكن الطبيب الذي تولّى فحصه أعلمه بأن القدح بمرود الذهب من قبل المتطبب الدجال قضى على عروق العين ولا أمل في إعادة الإبصار إليها . وفي سنة 1317 / 1899 سافر إلى تونس العاصمة صحبة بعض زملائه لمواصلة التعلم بجامع الزيتونة ، ومكث به طالب علم مدة عامين ، ثم تقدّم مدّعيا لأداء امتحان شهادة التطويع فكان من الفائزين بها في سنة 1319 / 1901 ، وبعدها عاد إلى مسقط رأسه واحتفل بمقدمه فهنأه الشيخ محمد السلامي ببيتين : أمحمد يهنيك ما قد نلت من * علم يقصر عن مداه الذاكر فاهنا بفوز الامتحان فإنه * قد جاء في التاريخ « فز يا شاكر » وانتصب بصفاقس مدرّسا متطوّعا ، وكان في دروسه يحمل على البدع والخرافات القبورية ومالها من ذيول ، وتأثيرها في العقائد والأخلاق ، لأنه كان متأثرا بالحركة الإصلاحية التي تقودها مجلة « المنار » ، وكانت بينه وبين صاحبها الشيخ رشيد رضا مراسلات ، والجهر بهذه الآراء في ذلك العصر لم تكن لتحرز رضا كل الناس ، لأن أغلبهم يرى أن الدين ما مضى عليه السلف الجاهل من استنجاد بالمقبورين ، واعتقاد تصرفهم تصرفا جزئيّا في الكون ، وهكذا يصبح عند العقول الميتة الشرك الجلي مما ينافح عنه . وقام هؤلاء الأضداد المتحمسون بتقديم قضية ضد المترجم إلى المحكمة الشرعية بصفاقس ، وقد حكى المترجم في مذكرة له ما حف بدعوته والقضية المقدمة ضده من ملابسات فقال : « الأمر الذي فيه خطر على عقيدة التوحيد ، ولم يرق لبعض من يحضر الدرس فرفع قضية إلى المجلس الشرعي ، ووقعت بيني وبين أعضائه مناقشة شديدة ، فقلت لهم في آخرها : كان بودي أن أرى شيوخ المجلس يعاضدونني في إزالة تلك البدع التي ينكرها الإسلام ، وتطهير المجتمع من تلك الموبقات ، لا أن يدعونني إلى المحكمة كخصم ، ولكن هكذا قضى علينا عموم الجهل » . واستاء أعضاء المجلس الشرعي وغضبوا من مجابهته لهم بمثل هذا ، فاشتكوا كتابة إلى عامل البلد ( الوالي ) طالبين عزله ، فسار العامل في ركابهم ، وصدر الأمر الملكي في عزله من التدريس ، وتجريده من شهادة التطويع ، وكان ذلك في شعبان 1320 / 1902 ، وهذا الإجراء غاية في الظلم والتنكيل ، فإذا كانت خطة التدريس مما يوهب ويسلب فإن شهادة التطويع نتيجة مجهود شخصي لا توهب ولا تسلب ، ونشرت خبر عزله وتجريده مجلة « المنار » وجريدة « الطان » الباريسية ، وسافر إلى العاصمة لمتابعة القضية ، وناصره شيخ الشيوخ فخر العلماء الشيخ سالم بو حاجب ، وبعد أربع سنوات ألغي أمر العزل ، وأعيدت له حقوقه المسلوبة بفضل توسّط بعض أصدقائه . ويبدو أن هذه الصدمة القاسية الظالمة ، والرجل كفيف البصر لا سلاح له في الحياة إلا شهادته العلمية ، وهذه الصدمة أفهمته أن الجو العام غير قابل للآراء الإصلاحية ، وإن الرجعية والخرافات تؤيدها السلطة العليا في البلاد ، ولعل الوسطاء الذين تدخلوا لتسوية القضية أشاروا عليه بأن يكفّ عن الدعوة إلى الآراء الإصلاحية ، وينتسب إلى الطريقة التيجانية لأن قصر الباي وحاشيته من أتباع هذه الطريقة ، وهما ينظران إلى معتنقها بعين الإكبار لا سيما بعد إعلانها بعد إعلان مجلة المنار الخصومة للشيخ أحمد التيجاني ، ويتهمونها بالوهابية ، ومن الملاحظ أن خصوم مجلة المنار كثيرون بتونس .