يوسف المرعشلي
1393
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
وتقدم المترجم ورأى بأم عينه وجهه سليما لم تأكله الأرض ، وشاهد شامته المشهور بها ولحيته لم يسقط شعرها . توفي بدمشق سنة 1366 ه ، ودفن بمقبرة الدحداح . محمد عيد السفرجلاني « * » ( 1254 - 1350 ه ) صاحب أول مدرسة ابتدائية نموذجية في دمشق : محمد عيد بن محمد أنيس بن محمد عطا ، السفرجلاني ، الشافعي ، الرشيدي طريقة ، والسفرجلاني كلمة مركبة من ( السفر ) ( جلاني ) أي السفر جلا الحزن عني . واشتهرت أسرته أيضا بلقب ( الشلبي ) . ولد بدمشق سنة 1254 ه في زقاق النقيب جانب باب الفراديس بحي العمارة . أخذ العلم عن مشاهير عصره ، فأخذ الطريقة الرشيدية عن الشيخ إبراهيم الرشيد الذي أجازه بإقامة الذكر ؛ فأقامه بداره مساء كل أحد إضافة إلى درس مسائي في داره أيضا بالفقه الشافعي . أجاد الخط وأحسن الكتابة ؛ فبدأ بكتابة مصحف وصل به إلى سورة طه ، وأتمه من بعده تلميذه الخطاط المشهور موسى الشلبي . كان قيّم مكتبة في المدرسة السليمانية « 1 » التي كانت تسمّى ( الجمعية الخيرية ) ، ففتح بها سنة 1287 ه مدرسة متواضعة ، ولكنها أحسن بكثير من الكتاتيب التي كان يقوم عليها من لا يحسنون الأساليب التربوية . وبعد ثماني سنوات انتقل إلى جامع سنان آغا في المناخلية ؛ فافتتح به مع الشيخ أحمد دهمان مدرسة صغيرة ، وبقيا كذلك نحوا من ثلاث سنين ، حين تبرّع له رجل غني من آل القوتلي فأعطاه مخزنا واسعا قرب باب الحديد بالمناخلية أيضا ، فصار يملك مدرسة خاصة به ، وانفصل عن الشيخ أحمد دهمان الذي انتقل بدوره إلى بناء المدرسة العادلية الصغرى بجانب دار الحديث الأشرفية ؛ فافتتح هناك مدرسة شاركه فيها بعض العلماء . وتعتبر هاتان المدرستان بداية المدارس النموذجية في دمشق . بقي المترجم في مدرسة المناخلية تسع عشرة سنة ، انتقل بعدها إلى الجقمقية « 2 » التي استمر بها إحدى وعشرين سنة ، وانتقل بعدها بدوره إلى الجوهرية التي عرفت بالجوهرية السفرجلانية « 3 » . وقد جاء في نشرة المدرسة الجوهرية السفرجلانية المطبوعة عام 1348 ه ما يلي : « افتتح الشيخ عيد مدرسة عام 1287 ه بالسليمانية ؛ فأقام بها ثماني سنين ، ثم نقلها إلى جامع سنان آغا ، وبقي بها نحو ثلاث سنين ، وبها اشترك مع الشيخ أحمد دهمان ، ثم بنى في المناخلية مدرسة وبقي بها تسع عشرة سنة ، ثم انتقل إلى الجقمقية ؛ فبقي بها إحدى وعشرين سنة ، ثم انتقل إلى الجوهرية » . كان المترجم تربويّا عظيما موهوبا ، يحب التعليم والتوجيه ، مخلصا في عمله كل الإخلاص ، يختلط بالطلاب ويرعاهم ؛ ويحكي لهم القصص العربية والإسلامية التي تثير نخوتهم وتوجههم نحو الخير . كان يجمع الطلاب كل يوم خميس قبل الانصراف فيحدّثهم عن المشكلات التي تقع حولهم ، ويفتح أذهانهم ويحذّرهم ويبصّرهم على المستوى الاجتماعي والسياسي وغيرهما فيقول مثلا : اليوم خالط أحد الأولاد الطيبين شقيّا مجرما فخطفه واغتصبه ، والخطأ من هذا الولد الذي يتحدّث مع غير المؤدبين ، والبارحة وقع اعتداء إيطالي على ليبيا التي هي جزء من الأمة
--> ( * ) نشره للمدرسة الجوهرية السفرجلانية ، و « منتخبات التواريخ لدمشق » للحصني : 2 / 869 ، و « قصص من الحياة » لعلي الطنطاوي : 186 - 190 ، ط سنة 1400 ه ، و « تاريخ علماء دمشق » للحافظ : 1 / 450 . ( 1 ) المدرسة السليمانية : أنشئت سنة 974 ه بجانب التكية السليمانية . أمر بإنشائها السلطان سليمان بن السلطان سليم . ( مختصر تنبيه الطالب : 239 ) . ( 2 ) الجقمقية : شمالي الجامع الأموي ، أسسها سنجر الهلالي ، ثم عمرها الملك الناصر حسن سنة 761 ه ، ثم صارت خانقاه ، شرع في عمارتها سيف الدين جقمق سنة 822 ه . ( مختصر تنبيه الطالب : 82 ) . ( 3 ) الجوهرية : أنشأها الصدر نجم الدين بن عياش التميمي المتوفى سنة 694 ه ( مختصر تنبيه الطالب : 84 ) .