يوسف المرعشلي
1376
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
عنايت أحمد الكاكوروي ، ثم أخذ عن السيد حسين شاه الكشميري ، ثم لازم المفتي لطف اللّه الحنفي الكوئلي ببلدة كانپور ، وقرأ عليه سائر الكتب الدراسية ، ثم ولي التدريس بمدرسة فيض عام فدرّس بها زمانا ، ثم اعتزل وسافر إلى سهارنپور وأخذ الحديث عن الشيخ أحمد علي الحنفي السهارنپوري المحدّث ، ولازم دروسه سنة كاملة ، ولما حصلت الإجازة منه رجع إلى كانپور . وكان في شبابه أخذ الطريقة عن الشيخ كرامة علي القادري الكالپوي ، ثم أخذ عن شيخنا الشيخ الكبير فضل الرحمن بن أهل اللّه البكري المرادآبادي واستفاض منه فيوضا كثيرة ، فنال الإجازة منه ، فاشتغل بالأذكار والأشغال مدة ، وسافر إلى الحجاز فحجّ وزار ، وأقام بمكة المباركة سنة كاملة ، ورجع إلى الهند سنة عشرين وثلاث مئة وألف ، وذهب إلى بلدة مونگير فسكن بها ، وحصل له القبول العظيم ، وسافر إلى الحجاز مرة ثانية وأقام بها سنتين ، ثم رجع إلى مونگير واشتغل بالعبادة والإفادة . وهو الذي أسّس ندوة العلماء سنة إحدى عشرة وثلاث مئة وألف لإحياء المدارس العربية وإصلاح نظام الدرس ، ورفع النزاع من الفرق الإسلامية والذبّ عن الإسلام ، فبارك اللّه سبحانه في مساعيه ، وأسس أعضاء الندوة مدرسة عظيمة بمدينة لكهنؤ سنة سبع عشرة وثلاث مئة وألف ، وهي التي اشتهرت بدار العلوم ، نفع اللّه بها المسلمين . وكان للشيخ محمد علي منذ أيام الطلب والتدريس إلمام بما يجري حوله من حوادث وتيارات ، وكان يتتبعها بعقل واع ونفس حساسة ، ورأى نشاط القسوس المسيحيين ودعاة « التبشير » في نشر النصرانية وتشكيك المسلمين في عقيدتهم ودينهم ، ورأى خطر ذلك على الشباب وأبناء المسلمين ، فأقبل على دراسة النصرانية ومراجعها وحججها ، وشمّر عن ساق الجد للرد على القسوس والمبشرين ، وأصدر صحيفة لهذا الغرض سماها « منشور محمدي » واستمرت في الصدور نحو خمسة أعوام ، وألّف في رد المسيحية كتبا قيمة ، منها « مرآة اليقين » و « آئينه إسلام » و « دفع التلبيسات » ومن أهمها « پيغام محمدي » . وكان قد اطلع في أثناء رده على المسيحية ، ومناظرته مع القسوس والمبشرين على مواضع الضعف في صفوف العلماء والذين تقع عليهم مسؤولية الدفاع عن الإسلام ، وعلى مداخل الفساد والزيغ والإلحاد بانتشار التعليم الجديد في البلاد ، وكانت فتنة التكفير وخصومات العلماء المذهبية ، وتنازع الطوائف الإسلامية قد بلغت أوجها في هذه الفترة ، وقد أصبحت المدارس والمساجد مركز حروب داخلية ، وازدحمت المحاكم بالقضايا الخلافية ، التي يرفعها المسلمون ، ويحكم فيها القضاة المسيحيون والحكام الوثنيون ، ورأى جمود العلماء على المنهج الدراسي القديم الذي يسمى بالدرس النظامي ، وعضهم عليه بالنواجذ مع شدة حاجة العصر إلى تطويره وتنقيحه ، فحمله كل ذلك على تأسيس ندوة للعلماء لتبادل الفكر والرأي ، وتنسيق الجهود في إصلاح التعليم والمسلمين ، ووهب نفسه وعقله وعنايته لهذه الحركة ومركزها ، وأصبحت له الشغل الشاغل ، اشتغل بإدارة ندوة العلماء وتحقيق مشاريعها وأهدافها ، ووقع بينه وبين بعض زملائه من أعضاء الندوة خلاف في بعض المسائل التعليمية والإدارية ولجت به الأمراض واعتراه الضعف ، وجذبته دواعي الشوق وتربية النفوس ، وحب العزلة ، فقدم استقالته عن إدارة ندوة العلماء ، وقبلت مع التأسف لسبع بقين من ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين وثلاث مئة وألف ، واعتزل في زاويته ، في مدينة « مونگير » في ولاية « بهار » فأقبلت عليه الدنيا ، وقصده الراغبون في الإصلاح والتربية من كل جانب ، وصار المقصد والمرجع في هذا الشأن . وفي هذه الفترة زحفت القاديانية على ولاية « بهار » بقوة وعزم ، واضطربت عقيدة كثير من المتعلمين والموظفين ، فنهض مولانا محمد علي وصمد لها يقاومها بالدعوة والمناظرة ، وأصبح لا يهدأ له بال ولا يقر له قرار ، يؤلف الرسائل والكتب في الرد عليها ، ويكتب الكتب إلى أصحابه ، ويحثهم على مقاومة هذه الفتنة ، وبذل النفس والنفيس في هذا الشأن في سبيلها ، ويؤثر ذلك على النوافل والطاعات ، والأوراد والأذكار ، ويعتقده أفضل الأعمال وأعظم القربات ، وقد ألّف نحو مئة مؤلف بين رسالة وكتاب كبير ، طبع منها