يوسف المرعشلي
989
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
أحمد بن عبد الرحمن بن صالح بن عبد الرحيم ، الخطيب ، الحسني الجيلي ، الشافعي ، الكازي ، الشهير بالخطيب ، ولقب بالكازي لأنه كان الوحيد الذي يبيع زيت الكاز في دمشق كلها . ولد بدمشق سنة 1291 ه ، ولما نشأ طلب العلم بالمدرسة المرادية بجوار الجامع الأموي ، وقرأ على مشايخ الشام في عصره كالشيخ بكري العطار ، والعلامة الشيخ بدر الدين الحسني ؛ وله منه إجازة . تفقه على المذهب الشافعي ، وبرع في علم الفرائض ، وعرف فيه ؛ فكانت تعرض عليه كل يوم مختلف الأسئلة المشكلة حتى وهو في دكانة فيقوم بحلّ المناسخات ، وإجراء المسائل . تولّى إمامة جامع الخريزاتية وخطابته في سوق مدحت باشا ، ودرّس الطلاب بحلقات يعقدها في بيته القريب من الجامع المذكور ، وفي عدد من المدارس كمدرسة الخياطين ، ومدرسة القلبقجية دون أن يأخذ على دروسه أجرا ، وكان يلقي كثيرا من الدروس على ضوء الشموع ، ويتسامح مع الطلاب فيما يقومون به من تصرفات ويخاطبهم على قدر عقولهم ؛ لأنه كان يريد الأجر لا الأجرة . كما كان له درسان كل يوم في الجامع الأموي أحدهما قصير قبيل العصر ، والآخر بين المغرب والعشاء . مارس أعمالا تجارية مختلفة إلى جانب الخطابة والإمامة والتدريس وذلك في دكانه بالبزورية ، ثم تخصص بتجارة البترول ( زيت الكاز ) ، ولم يكن يبيع هذه المادة في دمشق كلها غيره ، وجاءت سنوات الحرب العالمية الأولى شديدة ، وعزّت هذه المادة المهمة وقلّت ؛ فكان الناس يشترونها منه بكميات قليلة جدا لاستعمالها في الإنارة . وبقي على حاله تلك حتى جاءت أحداث ما بعد الحرب العالمية الأولى التي أسفرت عن اتفاقية سايكس - بيكو لاقتسام بلاد الشام والعراق ، فلما وجّه الجنرال غورو إنذاره إلى الدولة العربية الفتية في دمشق ، قام العلماء والخطباء على المنابر يحرضون الناس على الجهاد ضد الفرنسيين ، وكان المترجم من أشد الخطباء والعلماء حماسة ، ومن أجرئهم خطابة . وفي يوم من الأيام بينما كان يخطب ، إذ سأله سائل : وماذا أعددت أنت للجهاد ؟ هل ستجاهد بالسلاح أم تكتفي بالخطابة ؟ فأثّر فيه هذا الكلام ، واشترى في يوم الأربعاء 5 ذي القعدة 1338 ه بندقية عثمانية ومعها عشرة أمشاط من الذخيرة ، وكان ذلك قبل ميسلون بأيام قلائل ، وعلّق البندقية والذخيرة في صدر دكانه واستعدّ للقتال . وفي أثناء ذلك مرّ به الشيخ الوطني الثائر كامل القصاب : وهو راكب على عربة يدور بها في الطرقات والأسواق يحرّض الناس على قتال الفرنسيين ، ويثير حماسهم ، ويستفز نخوتهم ، ويخطب بهم ، ويوضح مآرب الاستعمار وغاياته ، فلما رأى صاحب الترجمة توقّف عنده وقال له : « أين أنت يا شيخ كمال ؟ » فبيّن له أنه على استعداد ، وأنّ بندقيته جاهزة . ونفر المجاهدون إلى ميسلون بالظروف التي سجّلها التاريخ ، فكان صاحب الترجمة من أوائل المنطلقين ، حمل البضائع التي كانت في دكانه وأخذها كلها إلى البيت خوفا من قيام اضطرابات تؤدي إلى سرقة الدكاكين ، ومداهمتها ، ثم انطلق مصطحبا أخاه الشيخ محمد صالح الخطيب ، ولم يفصح لزوجته عن نيته ، ولكن أحد الأشخاص لقي ولده في الطريق وقال له : « إن أباك ذهب إلى ميسلون صحبة خطيب الجامع الأموي الشيخ عبد القادر كيوان » ، فلما أنبأ أمه ألحقته بزاد إلى أبيه ، فلحق به حتى لقيه في محطة البرامكة ، وألفاه وهو يصلي بالناس صلاة الموت قبل أن ينطلقوا إلى ساحة المعركة . ووقع الشيخ محمد صالح شقيق صاحب الترجمة في الأسر ، وسيق إلى الجبخانة العسكرية ( أول طلعة قصر الضيافة اليوم ) ، ثم أطلق سراحه بحالة يرثي لها ، فلما سأله أهله عن أخيه لم يعرف عنه شيئا البتة ، فمضى إلى ميسلون الأستاذ زكي الخطيب بصفته رئيس الرسائل العامة في الدولة العربية مصطحبا شقيق المترجم الآخر محمد أديب الخطيب ، ومعهما هيئة صحية ، ففتشوا في الحفر التي ألقي فيها الشهداء فلم يعثروا على جثته رغم كثرة ما قاموا به من حفريات ، وعثروا على جثمان الشيخ توفيق الدرة ؛ وكان يشبه صاحب الترجمة ؛ فأحضروه ودفنوه بدمشق . كان الشيخ كمال الدين جريئا ، مقداما ، تبدو على وجهه المدور رجولة واضحة ، مهيب الطلعة ، أسود اللحية الكثة ، يعتم بعمامة بيضاء ، دائبا على العمل