يوسف المرعشلي

1226

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

المكاتب ( الكتاتيب ) ؛ فإلى جانب تعليمه في جامع البريدي أسس ثلاثة مكاتب : أولها في باب المصلّى بالميدان ؛ أسسه مع الشيخ صالح ابن الشيخ الطيّب ، والثاني في زقاق النقيب بالعمارة مع الشيخ عبد القادر ابن الشيخ الطيب أيضا ، والثالث المدرسة الريحانية في زقاق المحكمة ( خلف الصاغة الجديدة بالحريقة ) مع الشيخ محمد المبارك ، والشيخ عبد الجليل الدرّة . وهذه المكاتب على طبقات : فالتعليم في مكتب البريدي ومكتب باب المصلى كان بمستوى المرحلة الابتدائية أو فوقها بقليل . أما مكتب الريحانية ومكتب زقاق النقيب فكانا مدرستين علميتين تدرّسان على طريقة المشايخ . وتعلّم عنده وعند أبيه أكثر المغاربة ، وخرّج طبقة عالية من أبناء التجّار . شارك في وقعة ميسلون ومعه كتيبة من شبان المغاربة أخذت من الدولة سلاحا ، وانضمت إلى الجيش المقاتل . فلما دخل الفرنسيون دمشق سجنوه بسبب ذلك ، ثم خرج بسعي عمه وأخيه ؛ فأخرجوه إلى لبنان . ونشط للعمل في لبنان ، فكان يقوم بجولات في القرى البعيدة والقريبة في البقاع والجبال ينشر الدعوة ويرشد الناس ، وشاركه في ذلك بعض علماء دمشق منهم الشيخ صلاح الدين الزعيم ، والشيخ أحمد سماقية المعضماني ، والشيخ صالح فرفور ، وكانوا إذا رأوا مسجد القرية مغلقا افتتحوه ، ووعظوا الناس ورغبوهم ، فإذا انصاعوا لهم خلفوا في المسجد أصلح أهل القرية إماما ، وانطلقوا إلى قرية أخرى وهكذا حتى انتفع الكثيرون منهم ، واحتاجت هذه القرى والمدن إلى أئمة وخطباء وعلماء ؛ فأسّس لهذا الغرض ثانوية شرعية في حدود سنة 1929 م ، وكان يمدها التجار الصالحون بالمال ، وتخرّج بها كثير ممن صاروا فيما بعد علماء لبنان ، وكانت هذه الثانوية نواة جمعية المقاصد الخيرية فيما بعد . ولما رجع إلى دمشق بعد مدة طويلة عيّن في الجامع الأموي إماما للمالكية بلا منازع ، وبقي في الإمامة حتى توفي ، وخلال ذلك كان يتردّد إلى الثانوية الشرعية ببيروت باعتباره رئيسها ، ودامت رئاسة لها مدة حياته . تحلّى المترجم بأخلاق علماء المتصوفة ؛ فكان شديد التوكل على اللّه ، مجاب الدعوة ، كريما معطاء ، يبذل المال ولا يستبقي بين يديه بقية . يحب الفقراء والمساكين ؛ فلا يخلو بيته منهم ، وقلما يدخل إلى داره أحد إلا تناول طعاما ، والبركة في طعامه ظاهرة ، لا يطعم إلا ألذ المأكولات . أنيق الملبس ، حسن المظهر ، وهو مربّ بأفعاله وأقواله . يقف بجانب الحق ولا يبالي . له قصص ومواقف تدل على هذه الأخلاق منها : أنه كان يكرم خدم الجامع الأموي ويعطيهم كل حين ؛ دخل مرة يصلي فطلب إليه خادم منهم عطاء ولم يكن معه مال فاستدان من الشيخ سعيد الأحمر ؛ أحد أصحاب المحلات في سوق المسكية ؛ فأعطى ذلك الخادم ، وفي اليوم التالي عندما ردّ المترجم الدين قال له الشيخ سعيد : هل تدري أنك أعطيت رجلا غنيّا غير محتاج ؟ . فقال له : إنك أفسدت عليّ نيتي وأرجو ألا تقول لي مثل ذلك في مرة قادمة ؛ فأنا أعطيته للّه . ومن قصصه مع خدّام الجامع الأموي أيضا ما روى عنه الشيخ صالح فرفور : تلميذه الذي جاء إليه مرة وهو خارج من الجامع الأموي وقد أحضر له خمسين ليرة ، وقال له : إنّ فلانا بعثها إليك - وكان كثير من الناس يوكلونه بتوزيع صدقاتهم - فما كان منه إلا أن وزّعها كلها على الخدّام وقال للشيخ صالح : لقد اعتدنا أن نكرمهم كل عيد ، وجاء هذا العيد ولم يتيسّر لي مال ، والحمد للّه . وقحطت دمشق في سنة من السنين ؛ فلم تبضّ السماء بقطرة ، وقنط الناس ، فتوجّه المترجم وعدد من تلاميذه صحبة السيد مكي الكتاني ، والشيخ سهيل الخطيب إلى مغارة الأربعين في جبل قاسيون ، ومكثوا في المغارة أياما يصلون ويدعون ويبتهلون إلى اللّه فما نزل المطر . فخرج المترجم إلى باب المغارة ، وأمسك لحيته بيده ، ونظر إلى السماء فقال : يا رب ، لا تخيب هذه اللحية ، ولا تردنا خجلين خائبين . وقال كلاما مثل هذا ، ودعا بقلب منيب . قالوا : فلم تمض مدة يسيرة حتى انهمر الغيث ، وجرى السيل ، وانقطعوا هناك لم يستطيعوا النزول . وخرج مرة يحج ، ومعه جماعة منهم الشيخ أحمد الحبال الرفاعي ؛ الذي دفع إليه المال المخصّص للحج