يوسف المرعشلي

1212

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

كان أعلم علماء العربية في هذا العصر ، وكان واحدا من أعلام العربية الأولين ، ولكنه ضل طريقه في بيداء الزمان فجاء في القرن الرابع عشر الهجري لا في القرن الرابع . أقرر هذا بعد ما مشيت في البلاد ، وجالست العلماء فما ثمّ عالم مشهور في العربية في مصر والشام والعراق والحجاز والهند والملايو وأندونيسيا إلا عرفته ، عرفت في مصر علماء الجامعة المصرية ، وعلماء الجامع الأزهر ، والأدباء والكتاب وأنا أؤكد لكم القول أني لم أجد فيهم من يفوق في حفظه وضبطه وأمانته وملكته الأستاذ الجندي » . وقال الأستاذ ظافر القاسمي عن درسه : « لقد كان تاريخ آداب اللغة العربية المادة التي اختص في تدريسها . لقّنها للطلاب أجيالا متعاقبة بأسلوب رتيب لا يكاد يتغير ، ينضح منه العلم الغزير والحفظ الوفير والإحاطة بالغريب ، والعمق في البحث ، واتساع الاطلاع ، فقد كان أعلم علماء عصره بالكتب والرجال ؛ ولهذا كانت خاتمة درسه حافلة دوما بثبت من الكتب يرشد الطلاب إليها ؛ ليرجعوا إلى ما فيها ، وليوسّعوا دراساتهم في البحث الذي كان يقرّره » . اجتمعت فيه شمائل حلوة ، وأخلاق لطيفة هي أخلاق العلماء فقال عنه الأستاذ الطنطاوي : « كان متواضعا حييّا ، غاضّ الطرف والصوت ، حاضر النكتة ، صافي القلب ، حسن المعشر ، رضي الخلق ، مستقيما ، لا تستطيع مغريات الدنيا أن تحوله عن طريقه » . وقال هو في ترجمة نفسه التي لم تنشر في حياته : « كان في جميع هذه الأطوار التي قطعها في حياته شديد التواضع ، لين الجانب ، ينهج المنهج الذي سلكه معاوية : لو كان بينه وبين الناس شعرة ما قطعها ، وكان شديد الخشية من اللّه ، مواظبا على الفرائض والواجبات الدينية ، شديد الغيرة على مصلحة الإسلام والعرب وكل وطن إسلامي ، لم يقترف شيئا من المنكرات في جميع حياته ، وكان يقنع باليسير ، ويشكر على القليل والكثير ، ويرضى من الوفاء باللقاء ، ولم يبذل ماء وجهه قط لأحد ؛ لأنه يقابل الحسنة بمثلها إن عجز عن ضعفها ، ويحتمل السيئة ، ويغضي عن الهفوة ما وجد إلى ذلك سبيلا . لا يعرف لأحد عليه فضلا إلا قابله بمثله لأن اللّه جل جلاله لم يحوجه إلى غيره في شيء ما خلا أساتذته الذين تقدم ذكرهم ، فإنهم علّموه وهذّبوه ، وأرشدوه لوجه اللّه من غير أن ينالوا منه أجرا ولا جزاء ، وقد احتذى على مثالهم . كان معتمّا بعمامة ، ثم استغنى عنها ، فاتخذ الطربوش ، وليس البزة الإفرنجية ، ولكنه بقي شيخا جليلا بكل معاني هذه الكلمة اللغوية والاصطلاحية . كان ربعة من الرجال ، يمشي الهوينا ، خافت الصوت ، كثير الحذر ، يخاف الليل والبرد ، ولم يمش في جنازة قط ، رزق الهدوء في الطبع فقلما غضب أو اهتاج ، كان عميق النكتة حادها ، وربما كان جارحا فيها أحيانا ، وكان قليل الابتسام ، وإذا انفرجت شفتاه فبمقدار ، وكانت عباراته في دروسه من أرقى طبقة من طبقات البلاغة ، وعلى الرغم من أنه قضى معظم حياته على منبر التدريس إلا أنه كان يخاف منبر الخطابة أو المحاضرة ؛ فلم يعرف عنه أنه حاضر مرة واحدة ، ويوم اضطر لأن يكون بين المحاضرين عن المعري في مهرجان المجمع العلمي العربي بدمشق عهد في إلقاء محاضرته إلى تلميذه الأستاذ صلاح الدين المنجد . توفي بدمشق يوم الاثنين 8 ربيع الأول سنة 1375 ه ، الموافق 24 تشرين الأول 1955 م ، وشيعه موكب حافل مشى فيه رجالات العلم والأدب من رفاقه وطلابه وأحبابه حتى واروه في مقبرة الدحداح . محمد سليم رحمة اللّه العثماني « * » ( 1323 - 1397 ه ) محمد سليم بن محمد سعيد بن محمد رحمة اللّه بن خليل الرحمن العثماني ، العالم الفاضل ، والشيخ الماجد ، الحنفي المكي . ولد بمكة المكرمة سنة 1323 .

--> ( * ) « تشنيف الأسماع » لمحمود سعيد ممدوح ، ص : 231 ، الترجمة ( 83 ) و « نشر الرياحين » : 2 / 699 .