يوسف المرعشلي
1174
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
تعرّض لاضطهاد الاتحاديين ، لأنه قاوم التغيير الذي أرادوه للعلوم الشرعية ، فاحتسب ذلك في سبيل اللّه . عيّن وكيلا لشيخ الإسلام في وظيفة الإشراف على العلم والعلماء والمدارس ، وهذه الوظيفة تقابل منصب شيخ الأزهر بمصر « 1 » . ثم عزل عنها بسبب معارضته للجنة مساعدة منكوبي الحرائق بالآستانة ، والتي أرادت هدم مدرسة ، كان أنشأها السلطان مصطفى الثالث ( ت 1187 ه ) لتبني عليها دارا لإسعاف المنكوبين تؤويهم فيه . فرفع الشيخ الكوثري دعوى على اللجنة في المحكمة . وبعد عزله بقي عضوا في مجلس وكالة الدرس ، ولكنه تابع الدعوى ، وكان راتب وكيل الدرس ( 75 ) ليرة عثمانية ذهبية كل شهر . رحل عن تركيا تاركا أسرته قبل دخول الكماليين إلى الآستانة بعدما نمي إليه نبأ بأمر اعتقاله ، وقصد مصر بطريق البحر ، فنزل الإسكندرية سنة 1341 ه ، وبقي فيها أياما ، ثم سافر إلى القاهرة ، فسكن شبرا ثم مصر الجديدة لأشهر عاد بعدها إلى الإسكندرية ، فرحل إلى الشام رحلته الأولى عن طريق بيروت ووصل دمشق . بقي الكوثري في دمشق ما يزيد على سنة ، وعكف على المكتبة الظاهرية يطالع أسفارها . وكان ينزل أول الأمر في فندق ، ثم لما قلت نفقته نزل في غرفة متواضعة على سطح استأجرها مشتركة بينه وبين غريب تركي . لقي في دمشق خلال هذه الرحلة الأولى الشيخ بدر الدين الحسني ، وقد سمع منه ، ولم يستجزه ، واجتمع بالسيد محمد بن جعفر الكتاني ، والشيخ محمد بن سعيد الفرا ، والشيخ محمد توفيق الأيوبي ، وأبا الخير الحنفي . رجع إلى مصر عن طريق فلسطين والقنطرة ، ونزل بحلوان ، ثم تحوّل إلى مدرسة محمد بيك أبي الذهب ، المعروفة باسم تكية الأتراك . وهي إلى شمال الأزهر . وفي سنة 1347 ه رحل إلى دمشق رحلته الثانية ، عن طريق فلسطين ، وأقام فيها نحوا من سنة أيضا ، واصل فيها اجتماعه بعلماء دمشق ، وانكب على ما في المكتبة الظاهرية من تراث . وكان ينزل هذه المرة في جامع فتحي بحي القيمرية ، وأحبّه من عرفه في الحيّ ، واحترموه ، وأسف أصدقاؤه عند رحيله ، وعلّقوا على إحدى غرف الجامع الكبيرة لوحة باسمه ، وكتبوا عليها ( قاعة الكوثري ) ، وبقيت اللوحة زمنا . وحدث له في دمشق شدّة ، إذ قلّ ما بين يديه من مال ، وأملق بالمرة ، حتى لم يعد معه ثمن ما يسد جوعته ، وبقي كذلك ثلاثة أيام لم يطعم فيها ، وتهالكت قوته ، وإذ ببقال في الحي المذكور كان أودع عنده عنوان مراسلاته - على عادة كثير من الغرباء - يخبره أن ساعي البريد جاء يحمل إليه رسالة مسجلة لا تسلّم إلا باليد في مركز البريد . وكان أن حملت الرسالة حوالة بثلاثة جنيهات ذهبية ، أرسلها إليه صديقه الشيخ رشيد الحواصلي ، الذي قال في رسالته : إنه بينما كان عائدا إلى بيته في إستانبول ، وقد اشترى سمكا طيبا ، تذكّره ، وتذكر أنه بعيد عن الأهل والبلد ولا مورد له ولا عمل ، وأنه خرج من بلده بملابسه ، فأرسل إليه تلك الحوالة . وكان تاريخها قبل تسلّمها بأربعة أشهر ، وبقيت تذهب بين إستانبول والقاهرة حتى حوّلت إليه بدمشق . لقي بدمشق علماءها ، وجرى بينه وبينهم مباحث ومدارسات ، ورغب إليه بعض الطلبة الذين استفادوا منه كحسام الدين القدسي ، صاحب مكتبة القدسي ، الذي لحقه إلى مصر بعد مغادرته دمشق ، واهتم به ، وجمع بعد وفاته مقالاته كلها . وفي مصر التحق الكوثري بدار المحفوظات المصرية لتعريب الوثائق التركية بعد اختباره . وهناك أحضر أسرته التي رآها أول مرة منذ مغادرته تركيا .
--> ( 1 ) كان السلطان بايزيد الثاني بنى مدرسة واشترط أن يدرّس فيها شيخ الإسلام . ومع الزمن صار بعض مشايخ الإسلام يتقنون السياسة أكثر من العلم ، فكانوا ينيبون عنهم وكلاء لأداء درس هذه المدرسة ، وكان الوكيل يعرف باسم وكيل الدرس . ثم صار لشيخ الإسلام فيما بعد ثلاثة وكلاء ، أحدهم أمين الفتوى ، والثاني وكيل الدرس ، والثالث رئيس التحقيقات الشرعية ، وهذا يتولّى الإشراف على القضاة وشؤونهم ( مقدمة مقالات الكوثري ) .