يوسف المرعشلي
1172
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
ولما قام الانقلاب العثماني سنة 1326 ه ، وهاجت الفتن عمل المترجم على تهدئة الخواطر ، وحض على الوحدة ، وألقى خطبا كثيرة في أنطاكية والإسكندرونة وإدلب والمعرّة وغيرها من مناطق حلب . ثم في حوالي سنة 1330 ه اهتمّ بأمر المدرسة الخسروية في حلب ، وخانها المسمى خان قورت بك ، وسعى إلى عزل متولّيه السابق ، واسترجع بعد محاكمات طويلة هذا الخان إلى أوقاف المدرسة ، وصار هو متولّيا ، ولما اجتمع لديه مقدار من ريع الوقف شرع في ترميم المدرسة ، وبنى فيها غرفا ، وجدّد الرواق الشمالي جميعه . ولم يتمكن من تتميم ما كان عزم عليه لأنه نقل إلى دمشق لخلاف بينه وبين الوالي فخري باشا ، وحسين كاظم بك . لكنه لم يلبث طويلا في دمشق ؛ لأنه نقل مع لوائه إلى ( غاليبولي ) أثناء حرب البلقان ، وكان في طليعة الزاحفين نحو أدرنة يحثّ الجنود الذين كانوا تحت إمرته على القتال ويشجّعهم على الجهاد ، وكان في جملة الذين دخلوا مدينة أدرنة ، وهناك اعتلى المنبر في جامع السلطان سليم ، وألقى خطبة هامة حمد اللّه فيها على الفتح . وعند انتهاء حروب البلقان رجع مع فرقته إلى الشام ؛ فأقام بها مدّة ، ثم توجّهت الفرقة إلى المدينة وهو معها لحفظ الخط الحديدي الحجازي الذي كان يتعرض لهجمات العربان ، وبقي في المدينة المنورة أربعة أشهر عاد بعدها إلى دمشق ، وأقام فيها مدّة إلى قيام الحرب العالمية الأولى في 11 رمضان سنة 1333 ه . عند ذلك توجّه مع اللواء 74 إلى ترعة السويس في 9 صفر 1334 ه يحرّض على الجهاد والثبات ضد العدو . وفي إحدى الليالي وصلت فرقته إلى الترعة قبل الفجر ، ولم تستطع العبور لكثافة النيران ، ثم أمر القائد الجيش بالتراجع ، وخلال ذلك أصيب بشظية فسقط شهيدا في 18 ربيع الأول سنة 1334 ه ، وكان ابنه الشيخ صلاح الدين يرافق الجيش ؛ فصلّى عليه ودفنه في رمال سيناء . حزن عليه أصدقاؤه وطلابه ، ورثاه بعضهم في قصيدة بلغت اثنين وثلاثين بيتا منها قوله : وقف الشيخ بين صفّيك يا جي * ش وللشيخ همّة لا ترام فتعالى صوت القذائف في البح * ر وفي البرّ إذ تعالى الخصام وأصيب ( الزّعيم ) فانهدّ ركن * هو للجيش حافظ وعصام فرجعت الوراء يا جيش حزنا * وعلى مثله العزاء يقام بت في جانب القناة بمتوى * بنت فيه وأنت بدر تمام وللمترجم شعر ظفرنا منه بقصيدة مكتوبة بخطّه « 1 » يمدح فيها الوزير عمر ، ويشكو فيها من حماته ، ومن الوالي ثابت باشا . منها قوله : إذ لي حماة حميتم من مكائدها * فإنها سقر ترمي لنا شررا وكيفما تذهب الأهوال تتبعها * والنّاس منها تهاب الشرّ والخطرا مضت إلى ثابت باشا شكت وبكت * مني فأوليته عذري فما عذرا فما اعتذاري لمن يصغي إلى امرأة * قد نمّقت قولها بالزّور دون مرا وكلما وجدت منه ملاطفة * تزداد بغيا وزورا واعتدا وفرا وبعد هذا يناديني ويسألني * ولا أرى منه إلا الهمّ والكدرا فمن عذيري من البلوى التي صدرت * من حرمة لا تبالي بالذي صدرا سواك يا عمر المشهود مسلكه * وعدله في الورى لا زلت مقتدرا كان المترجم جريئا ، مقداما ، كثير الحركة ، لا تفتر له عزيمة حتى وسمه بعض أعدائه بالتهور ، يسعى لإصلاح الأمور عند الحكام ، قوي الجسم جدّا ، بدينا ، قصير القامة ، أسمر اللون ، مستدير الوجه ، عظيم الرأس ، كث اللحية .
--> ( 1 ) القصيدة عند الأستاذ رياض المالح .