يوسف المرعشلي
1139
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
وتطبّب على الحكيم مظفر حسين اللكهنوي ، ثم رجع إلى « إله آباد » ، فدرّس وأفاد بها مدة ، ثم سافر إلى الحرمين الشريفين فحجّ وزار ، وأسند الحديث عن الشيخ أحمد بن زين دحلان الشافعي المكي ، وأخذ الطريقة عن الشيخ الكبير إمداد اللّه العمري التهانوي المهاجر ، ثم رجع إلى الهند وأقام ببلدته مدرّسا مفيدا إلى مدة من الزمان ، ثم سافر إلى الحجاز فحجّ وزار ، وأخذ عن شيخه إمداد اللّه المذكور ، وصحبه مدة إقامته بمكة المباركة ، وكذلك سافر إلى الحجاز أربع مرات ، ولم تزل تزداد به الحال في أسفاره إلى الحجاز حتى أنه صار مغلوب الكيفية . وكان في بداية حاله يقتدي بأصحاب سيدنا الإمام السيد أحمد الشهيد السعيد في جميع أقواله وأفعاله واشتهر في ذلك ، فتعصّب الناس في شأنه ولقبوه بالوهابي ، نسبة إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي ، مع أنهم كانوا لا يعرفون نجدا ولا صاحب نجد ، بل هم بيت علم الحنفية ، وقدوة الملة الحنيفية ، وأصحاب النفوس الزكية ، وأهل القلوب القدسية ، وبالجملة فإن محمد حسين صاحب الترجمة مال في نهاية حاله إلى استماع الغناء والمزامير ، وحضور الأعراس ، والقيام في مولد النبي صلى اللّه عليه وسلم ، والقول بوحدة الوجود وإفشائها على عامة الناس ، والرقص والتواجد في أندية الغناء ، والقول بإيمان فرعون وغير ذلك من الأقوال والأفعال ، واقتفى بها جده الكبير محب اللّه الإله آبادي ، فرضي عنه المشايخ وسخط عليه أهل الجد والأتباع ، ثم أقبل العامة على استماع الغناء والتواجد ، فازداد البهاء في الأعراس ومحافل المولد ، وأحدث محفلا في ليلة السابع والعشرين من رجب في كل عام بإله آباد بكل تزيين وتحسين . فاقتدى به الناس وروّجوه في بلاد أخرى ، وكان يفتخر بذلك ويقول : إني مبدع لذلك المحفل في الهند ، واقتصر في آخر أمره بتلك الأشغال ، وترك التدريس ، وصار كثير الأسفار ، يرتحل تارة إلى « رودولي » وتارة إلى « پيران كلير » ، وتارة إلى « پاك پتن » ، وتارة إلى « أجمير » ، وإلى « دهلي » وإلى غير ذلك من البلاد ، يدور على مزارات الأولياء . ومع ذلك كان نادرة من نوادر الدهر بصفاء الذهن وجودة القريحة ، وسرعة الخاطر وقوة الحفظ ، وعذوبة التقرير وحسن التحرير ، وشرف الطبع وكرم الأخلاق ، وبهاء المنظر وكمال المخبر ، وحسن السيرة وحلم السريرة ، كنت قرأت عليه في بداية حالي وأول رحلتي لطلب العلم طرفا من « شرح كافية ابن الحاجب » للجامي ، وشطرا من « شرح تهذيب المنطق » لليزدي . وكان موته عجيبا ، فإنه راح إلى « أجمير » أيام العرس ( 1 ) فعقد مرزا نثار علي بيگ مجلسا للسماع ، فحضر ذلك المجلس بدعوته ، وأمر المغني أن يقول : خشك تار وهشك چنگ وخشك پوست * از كجا ميآيد اين آواز دوست فأخذته الحالة فأمره أن يقول : ني ز تاروني ز چنگ وني ز پوست * خودبخود ميآيد اين آواز دوست ثم أمره أن يتغنى بأبيات الشيخ عبد القدوس الگنگوهي أولها : آستين بر رو كشيدي همگو مكار آمدي * با خودي خود در تماشا سوي بازار آمدي كان يفسر الأبيات حتى قال المغني : كفت قدوسي فقيري درفنا ودربقا * خودبخود آزاد بودي خود گرفتار آمدي فقال : إن الفناء والبقاء كليهما من شؤون التنزيه ، فكرر المغني ذلك البيت ، فقال : ورد علم جديد « خود بخود آزاد » قال : وأشار إلى نفسه وكرر ثلاث مرات ثم أطرق رأسه ، فحمله الشيخ واجد علي السنديلوي أحد المشايخ ، ولم يلبث إلا قليلا وطارت روحه من الجسد ، وكان ذلك يوم الاثنين لثمان خلون من رجب سنة اثنتين وعشرين وثلاث مئة وألف . محمد حسين الذهبي « * » ( 000 - 1397 ه ) عالم أزهري كبير .
--> ( * ) « تتمّة الأعلام » : 2 / 65 .