يوسف المرعشلي
1088
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
الفهامة ، الشيخ محمد بشير بن العالم الشيخ محمد هلال بن السيد محمد الآلاجاتي الحلبي . ترجمه أخوه لأمّه رصيفنا الفاضل الشيخ كامل الغزّي ترجمة مسهبة ألقاها عند قبره في تربة الشيخ جاكير ، حضر ذلك الجم الغفير من العلماء والوجهاء والطلاب والأهلين ، وإنّي آتي على خلاصة هذه الترجمة بتصرّف قليل ، ثم أتبعها بما أعلمه من أحوال شيخنا وترجمته ، قال : ولد أخي سنة 1274 ، ولما ترعرع حفظ القرآن العظيم في السنة السابعة من عمره عند ولي اللّه الشيخ شريف الشهير بالأعرج ، وبقي عنده سنة واحدة ، وبعد أن خرج لازم القراءة والكتابة بسائق نفسه ، وكنت وهو في التاسعة من عمره أعطيه الكتب المخطوطة السقيمة الخط وأكلفه قراءتها ، فكان يقرأ فيها بكل سرعة وفصاحة مع قلة اللحن وغلبة الصواب على ألفاظه ، وتعلم وهو في هذا السن أيضا رسم الخاتم المخمس المنسوب للإمام حجة الإسلام الغزالي علمه إياه الشيخ يوسف السرميني الشهير بالذكاء والفطنة في عصره ، وتردد مدة على رجل مشهور بتصليح الساعات كان مقيما في جامع العدلية يعرف بالشيخ عبدو ، فتعلّم منه هذه الصنعة في أشهر قليلة وصار ماهرا بها ، ولما بلغ الثالثة عشرة من عمره جاور معي في المدرسة السيافية ، وأخذ في حفظ المتون ، ولا أبالغ إذا قلت إنه حفظ « الألفية لابن مالك » في أقل من عشرين يوما ، فكنت أعجب من سرعة حفظه وقوة ذاكرته ، ثم أخذ في حفظ كتب الأدب ، فلم يمض عليه مدة وجيزة حتى أصبح يستوعب جملة وافرة من أشعار العرب ونبذا كثيرة من مختارات كتب الأدب والأخلاق . وحفظ حصة كثيرة من « متن الكنز » في الفقه الحنفي . وفي سنة 1295 ه انتقل إلى المدرسة الرضائية وجاور فيها ، ومن ذلك الحين بدأ يشتهر فضله ، وأول شيء اشتهر فيه حسن الصوت والأداء في تلاوة القرآن العظيم ، فكان الناس يقصدون المدرسة ليلة الجمعة وقبل صلاتها لسماع تلاوته في حرمها ، ثم طلب منه أن يؤم الناس في صلاة الصبح في رمضان في محراب الحنفية من الجامع الكبير فأجاب طلبهم ، فكان الناس يقصدن الائتمام به في هذا الوقت ويحضرون من أقصى المدينة لسماع صوته ، وقد واظب على هذه الوظيفة أزيد من خمس وعشرين سنة . * أساتذته في العلوم والفنون . قرأ رحمه اللّه على العلامة الشيخ شهيد الترمانيني النحو والصروف والمعاني والبيان ، ولما جاور في المدرسة الرضائية لازم الحضور على مدرسها الشيخ مصطفى الكردي قرأ عليه « المواقف » و « شرحه » والتفسير والحديث و « عقائد النسفي » ، وقرأ على الأستاذ الشيخ محمد الزرقا معظم كتاب « الدر المختار » في الفقه الحنفي ، وقرأ على العالم الفاضل الشيخ محمد الصابوني علمي الفرائض والعروض ، ولما آل التدريس في المدرسة الرضائية إلى الشيخ المحقق الشيخ حسين الكردي لازمه ، فقرأ عليه علم المنطق وآداب البحث والمناظرة وجملة من التفسير ومصطلح الحديث ، وقرأ على الأستاذ إسحاق أفندي التركي علم الميقات والتنجيم ، وكان لا يحجم عن الاشتغال في الفنون الحديثة أيضا ويقول : أحب أن أكون مطلعا على كل علم لأنني أخاف إذا تصدرت للإفادة أن يطلب مني إقراء علم فأقول هذا لا أعرفه ، ولذا كان يشتغل في كتب الطبيعيات والفلسفة الغربية ، وكان إذا أشكل عليه فهم شيء منها سأل عنه متفوقي المتخرجين من المكاتب العالية . ومع اشتغاله في علوم كثيرة ، فقد وجه عنايته لحفظ اللغة والدواوين الشعرية والكتب الأدبية مع الفهم التام لمعانيها ، إلى أن صار من المبرزين في ذلك بحيث فاق معاصريه ، وأقر له بالسبق جهابذة علماء اللغة والأدب ونقادها في الأقطار العربية ، وجعلوه مرجعهم وعمدتهم فيما صعب فهمه وبعد إدراكه . وطالما كنا نبحث عن اسم شيء نعرفه ولا نعرف له اسما في اللغة العربية ، فبعد أن ننقب عنه في معاجم اللغة ونتتبعه في المواد التي هي مظنة وجوده فلا نظفر بعد طول بحثنا بطائل ، فنسأله عنه فيجيبنا على الفور والبديهة ، بحيث يقول : اسمه كذا وهو مذكور في المادة الفلانية من المعجم الفلاني أو في شعر فلان ، فنراجعه فنراه فيه صريحا كما أفاد . والخلاصة أنه قد كان الآية الكبرى في معرفة اللغة وأشعار العرب وأخبارهم ، وكان إذا تكلم في الأدب يخال سامعه أنه لم