يوسف المرعشلي

1081

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

محمد بدر الدين الكيلاني « * » ( 1292 - 1338 ه ) أحد أعلام مدينة حماه وفقيهها وزعيمها محمد بدر الدين بن عبد الجبار الكيلاني . ولد في حماه عام 1292 / 1875 م من والده عبد الجبار الكيلاني أحد أحفاد علامة العراق الشيخ عبد القادر الجيلاني مجدّد مذهب أحمد بن حنبل ، ومؤسّس الطريقة القادرية المعروفة . نشأ في مهد العز والعلم والفضائل ، وتلقّى دراسته في المكتب الإعدادي الرسمي بحماه وتخرّج منه ، ثم أخذ العلوم العربية عن أعلام حماه في عصره ، منهم : الشيخ سعيد النعسان ، والشيخ محمد طربين ، والشيخ عبد القادر الفتوحي الجندي ، واستحصل منهم على شهادات في دراسة اللغة والفقه والأدب والمنطق . خدم في بعض وظائف الدولة من سنة 1315 ه / 1897 م إلى سنة 1324 ه / 1906 م ، ثم استقال من الوظيفة ، ثم انتخب عن حماه ممثلا لها في مجلس عموم الولاية السورية بدمشق ، وفي سنة 1325 ه / 1907 م عهد إليه بالإفتاء إثر الانقلاب العثماني ، وقد منح ثلاث رتب دينية ، ولبث مفتيا لحماه حتى أواخر الحرب العالمية الأولى وانسحاب الأتراك ، ولما شغرت مدينة حماه وأجمعت المدينة على انتخابه رئيسا لحكومتها الموقتة ، ودخل الملك فيصل الأول حماه ، عهد إليه برئاسة الحكومة العربية فيها ، ورفع راية الاستقلال العربي على دار الحكومة بيده باحتفال مهيب ، ولبث محافظا لحماه مدة ستة شهور ، ثم عيّن بعدها عضوا عن حماه في مجلس شورى الدولة بدمشق ولبث فيها حتى وافته المنية . كان رحمه اللّه شجاعا جريئا متصلبا بمواقفه حيال المستعمرين ، موثوقا من الملك فيصل الأول وعلى صلة به وبالثورة العربية منذ ابتدائها بصورة مكتومة ، ومن مواقفه الشهيرة رفضه بكل جرأة طلب إنشاء ماخور للجيش البريطاني بحماه ، وأجاب الجنرال اللنبي القائد البريطاني بلغة صارمة خطورة هذا المشروع المخل بالأمن ، وأن الحمويين ليسوا مسؤولين عن كل اعتداء يقع على جنودهم في حال تحرّشهم بالحمويات ، فسحب القائد المنتصر اقتراحه . لقد كان يكره الاستعمار والمستعمرين ، وقد ذهب لبيروت للتداوي أثناء مرضه الذي مات فيه ، فعلم الجنرال غورو القائد الفرنسي في لبنان خبر مقدمه لبيروت ، فحاول الاجتماع به لشراء ضميره ، فلما علم من صاحب الفندق أن شرطيا للجنرال سأل عنه هرب ليلا فنام في مكان مجهول ، وعاد في الصباح إلى حماه ، وذلك كيما يلوث وطنيته بتلك المقابلة مع رسول الاستعمار الفرنسي ، نروي هذه الحادثة للتاريخ لتكون عبرة وذكرى وعظة لبعض أنداده من العلماء الذين كانوا يتسابقون للاجتماع برسل الاستعمار والتملّق في أعتابهم حيث كانوا عيونا للمستعمرين على أبناء وطنهم ، فرحم اللّه صاحب هذه الترجمة بعداد حسناته وخزى من والى المستعمرين . كان متضلعا في العلوم والآداب ، شاعرا وناثرا ألمعيا ، جادت قريحته بنظم القوافي في مواضيع شتى ، ومن شعره الغزلي قوله : يقول لي العذول وقد رآني * نحيف الجسم مكتئبا عليلا أتسلو يا معنى قلت أسلو * عن الدنيا ولكن عن علي لا ومن شعره في رثاء صديق كان يؤمل منه الخير لخدمة أمته فقال يبكيه : ظبا الموت هل تنبوا إذا ثلم النصل * وهل للردى عن صوب مقصده عدل لحى اللّه دهرا حرم الأهل أنسهم * وأفقدهم من لذة العيش ما يحلو تفرّق شمل الصحب بعد فراقه * وليس لهم من بعد تفريقهم شمل تأملت أن يبقى ليرفع أمة * إلى سدرة العرفان فانصرم الحبل تأملت أن يبقى لينفع أمة * بها ضاقت الأحوال وانسدت السبل

--> ( * ) « أعلام الأدب والفن » لأدهم آل جندي : 1 / 38 - 39 .