يوسف المرعشلي
91
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
فكفلته أخته عائشة التيمورية « 1 » الشاعرة المشهورة . ودرس في بيته مبادئ العربية والفرنسية والتركية والفارسية ، ثم أدخل مدرسة مارسيل الفرنسية ، وكانت خاصة بأبناء الأعيان ، فقضى فيها خمس سنين أتقن خلالها اللغة الفرنسية ، وأخذ العلوم اللسانية والدينية والعقلية من علماء عصره ، ومنهم الشيخ رضوان المخللاتي ، ولازم الشيخ حسن الطويل أعظم علماء عصره اثنتي عشرة سنة ، ثم لازم الشيخ العدوي والشيخ الهوريني والشيخ الحسيني ، وأخذ عن الشيخ محمود التركزي الشنقيطي ، وعن الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده ، وصحب العلّامة الشيخ طاهر الجزائري ثلاث عشرة سنة . تخرج أحمد بهؤلاء الأعلام فجمع بين الثقافتين ، وربما زادت ثقافته العربية على ثقافته الغربية ، فقد استخدم ثقافته العربية طول حياته ، وما كانت ثقافته الغربية التي تثقفها في صباه إلا خادمة للثقافة الأخرى ، وقلما نمّاها في كبره . ونشأ متدينا تقيا عطوفا على الفقراء ، بارّا بالضعفاء ، يقيم الصلوات ويمارس شعائر الإسلام ، ويتصدّق في السر تقربا إلى اللّه واحتسابا ، يعطي من حرّ ماله المئات من الجنيهات ، وهو مع ذلك يرمى بالبخل . لم يطمح أحمد تيمور في خدمة الدولة على النحو الذي كان عليه أبوه وجده ، بل شغل نفسه بتهذيبها وتعليمها ، فكان كل يوم من أيام صباه يزداد علما ومعرفة ، ولما كان من خلقه الابتعاد عن الناس لم يجد حب الظهور والتمجّد والتعاظم مكانا من قلبه . طمحت نفسه إلى ما هو أسمى من كل هذه المظاهر ، طمحت إلى أن يكون عالما باحثا ، وخادما أمينا لأمته وتاريخها وأدبها ، معالجا أمراضها بدرياق العلم وبلسم الفضائل . والمرء حيث وضعته فطرته وبيئته . نشأ غرام أحمد تيمور بالكتب وهو طفل في المدرسة ، وبدأ باقتناء المطبوعات ، وما لبث أن أخذ يبتاع المخطوطات ، ثم توفر على اقتناء كل مهم يقع له من الكتب المخطوطة ، فيشتريها ويطالعها ، ويعلق عليها ويفهرسها ويبوّبها ، حتى كانت في نظامها وفهارسها غاية في الإحكام . وترك بأخرة خزانته ثلاثة عشر ألف مجلد ، نصفها مخطوط ، وقد حوت من النوادر الشيء الكثير ، ومنها ما هو بخطوط مؤلفيها ، أو مما قرىء عليهم وأجازوه ، ومنها ما أخذه بالتصوير الشمسي من خزائن أوروبا أو استنسخه من خزائن الشرق . عمل في هذه الخزانة سنين طويلة ثم أوصى بأن تكون وقفا على أمته لتستفيد منها كما استفاد هو ، وكان منذ جمعها لا يضنّ على باحث ولا طابع ولا ناشر من أبناء الشرق والغرب بإعارته ما يريد إذا أيقن أنه يفيد منها ويستفيد . ومن مكارم أخلاقه أنه قد يعير المخطوط وهو في حاجة إلى أن يكون عنده . وقد يعرض له إشكال يقتضيه الرجوع إلى ذلك السفر فيذهب بنفسه للمراجعة فيه عند من أعاره إياه ، ولا يجوز أن يقول له أعدّ إلي كتابي فقد طال مكثه عندك . وكرمه في هذا الباب ظاهر ، وهو لخدمة العلم يخاطر بأعز الأشياء على قلبه ، وقد يعادل ثمن المخطوط وزنه تبرا . أريد أن أتوسّع في أخلاق صاحبي ، لأنها هي موضع العجب ، كما هو مثال يعجب به لعلمه وبحثه ، شهدته منذ تشرفت بزيارته بدرب سعادة « 2 » ، ثم في داره في عين شمس وفي الحلمية وفي الزمالك عزوفا عن بعض الناس ، يحتاط فلا يتهوّر في اصطحاب من لا يعرف ماضيه وحاضره ، ويكره طبعا وتطبعا كل من وقع في نفسه أنهم زاغوا عن محجة الدين ، ووجد الإلحاد إلى قلوبهم سبيلا ، وكل من وصم بهذه الوصمة ضعف حظه من صداقته وصان مجلسه عن ذكر اسمه . ولما شاعت دعوة أنصار القديم والحديث ودعوة الرجوع إلى الفرعونية والزهد في كل ما هو عربي ، آلى على نفسه أن لا يطالع من الجرائد إلا جريدة الأخبار لصاحبها أمين الرافعي رحمه اللّه ، لأنها تدافع عن
--> ( 1 ) شاعرة أديبة من نوابغ مصر ، كانت تنظم الشعر بالعربية والتركية والفارسية ، توفيت سنة 1320 ه ، 1902 م من مؤلفاتها : حلية الطراز ( ديوان شعرها العربي ) ، نتائج الأحوال ( في الأدب ) ، وكشوفة ( ديوان شعرها التركي ) . ( الأعلام 4 / 5 - 6 ) . ( 2 ) أحد أحياء القاهرة .