يوسف المرعشلي
893
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
بناني والشيخ التاودي والشيخ الرهوني » ، مع نكت زائدة على ذلك . وأعزّ ما عنده المذاكرة ، فكان يذاكر أهل كل فن في فنهم ، فإذا ذاكرته في أي فن تجده كأنه متخصص فيه . أدرج في طبقة العلماء من غير طلب منه ، ونفذت له الإمامة بأحد مساجد حومة العيون بفاس ، وإنما كان يعيش من ريع أصول ورثها من والده وجدّه ، يقتصد في ذلك على حياته من غير ترف ولا مباهاة ، ويرشد الخلق إلى الله على طريقة أسلافه من غير طلب ، وأعظم نصيحة يقدمها للمريدين هي المحافظة على الصلاة في أوقاتها وترك الخيانة والكذب والغش والخديعة . ولمّا أمر محمد الخامس بالنظام القروي سنة خمسين وثلاثمائة وألف ، عيّن المترجم من أول وهلة مدرّسا بالقسم الأول الأدبي من غير طلب . أبى وامتنع ولم يقبل ذلك إلا بعد إلحاح عليه من أقرانه وتلامذته ، ورأى أن الأمر صار واجبا في حقه كأنه فرض عين ، قبل ذلك على شروط ، وبقي على حالته قائما بأعباء التدريس بالنظام المذكور . وقبل موته بنحو سبعة أشهر ذهب إلى مسقط رأسه مجّوط وبقي هناك ، وقد ألح عليه أولاده بالرجوع إلى فاس فأبى ، ولعله استشعر قرب أجله ليكون دفنه بين والده وأقاربه ، فبقي هناك إلى أن لفظ نفسه الأخير بعد أذان العشاء من يوم الاثنين رابع ذي القعدة عام خمسة وستين وثلاثمائة وألف ، ودفن من غده بروضة أسلافه . قرأت عليه منذ تأسيس النظام عدة كتب وأهمها طرف مهم من كتاب « زاد المعاد » للإمام ابن القيم رحمه اللّه ، وطلبت منه الإجازة فأجازني إجازة عامة ، ونص السؤال والجواب : الحمد للّه بلسان الحقيقة لا المجاز ، أحمد من برحمته يكون على الجسر مرور ومجاز ، ثم نصلي ونسلم على سيدنا محمد أكرم مجيز وأفضل مجاز ، ونترضى على أصحابه الكرام الذين استجازوه فأجاز ، هذا ولما كان طلب الرواية والإجازة أمرا مألوفا من العلماء خلفا عن سلف ، وكان فيه لآبائنا - رحمهم اللّه - القدح المعلى رغبة في اتصال المسموع واتصال الرواية حتى قالوا : الإسناد من الدين ، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء ، ورغبة في التشبث بأذيال هؤلاء الكرام والتشبه بهم والاتصال بسندهم . فتشبّهوا إن لم تكونوا مثلهم * إن التشبّه بالكرام رباح طلبت من شيخنا علم الأعلام عالم الزمان ، فارس الميدان ، المشارك بقية السلف ، سيدي ومولاي علي بن المولى الطيب الحسني الدرقاوي أن يتفضل علينا بإجازة كاتبه في جميع ما تجوز روايته ، وتصح درايته ، مما قرأنا عليه ، أو سمعناه في دروسه بكلية القرويين ، من حديث وفقه ونحو وأصول ومعقول ومنقول ، إجازة عامة مطلقة تامة بشرطها المألوف وعلى المعروف ، إجازة تخولنا نشر ما تلقيناه منه ، واللّه تعالى يجيز الجميع بفواضل إحسانه ، ويتكرّم علينا ببقاء طلعته بفضله وامتنانه آمين . حرّر بفاس في أواسط قعدة الحرام عام 1357 عبد السلام ابن سودة . ونص الجواب : الحمد للّه ذي الجلال والكمال ، والصلاة والسلام على مولانا محمد وكل ما له من صحب وآل ، أما بعد فقد طلب منا محلّ الولد الفقيه النجيب ، والعالم الأديب ، المؤرخ الباحث الأريب ، سلالة الأكابر ، ورؤساء الخطابة والمنابر ، حملة الشريعة وقادة السنة ، أبو محمد عبد السلام ابن الفقيه العلامة المدرّس سيدي عبد القادر ابن العلامة المشارك القاضي المنعم سيدي محمد ابن سودة المرّي ، لا زال فضل مولاه عليه يجري ، أن أجيزه بما لنا من الروايات والمسموعات والمشايخ والمسلسلات ، ولعمري فلقد استسمن ذا ورم ونفخ النار في غير ضرم ، لأني لست أهلا لذلك ، ولا ممن يروم تلك المسالك ، ولكن رغبة في إدخال السرور على أخي المسلم أجبت مطلوبه ، ولبّيت مرغوبه ، فأقول : أجزت الفقيه المذكور ، والعالم المشكور ، إجازة عامة شاملة مطلقة تامة على شرطها المعتبر ، ومألوفها المقرر ، حسبما تلقينا من أشياخنا الكرام ، الجهابذة الأعلام - رحمهم اللّه تعالى - إجازة تخوله نشر ما تلقاه منا ، والصعود إلى ذروة العلى مما فيه أملنا . وأوصيه وإياي بتقوى اللّه عز وجل في السر والعلانية ، والمحافظة على سنن أسلافه العالية ، أثمر اللّه بفضله نجابته ، وهيأ للخير سعادته ، آمين ، وآخر دعوانا أن الحمد للّه رب العالمين . أفقر العبد علي بن الطيب الدرقاوي انتهى .