يوسف المرعشلي

887

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

من ذلك الحظ الأوفر بين أقرانه في تحصيله العلم الأشهر . وبعد رجوعه إلى حريضة سنة 1333 ه ، وأصل القراءة على مشايخه ، حتى تخرّج بهم ، وصار من كبار العلماء الذين يؤمّهم الطلاب ، أوقاته كلها معمورة ، ودروسه مرغوبة ، فكان إذا صلى الصبح في المسجد جلس يذكر اللّه تعالى إلى أن يصلي الضحى ، ثم يرجع إلى منزله ، فيحضر إليه بعض الطلاب للقراءة ، ثم يذهب للمسجد في الظهر فيصلي ، فإذا صلى شرع في درس العلم الشريف لمن يحضر عليه من طلبة العلم إلى العصر ، ثم يشتغل بصلاة العصر فإذا صلّاها جلس في المسجد إلى غروب الشمس مشتغلا بكتب القوم والذكر وإجابة المستفتين ، ثم يقوم بإحياء ما بين العشائين ، فإذا صلى العشاء جلس للتدريس ثم يرجع إلى منزله . وكان في دروسه داعيا للّه تعالى بالفعل والقول ، متأسيا بالشمائل الشريفة المحمدية ، يأمر بالمعروف دائما ويحثّ عليه خاصة الذكر ، وقد انتفع به الكثير في حريضة رغم أنه كان لم يتجاوز الثلاثين . وفي سنة 1338 سافر إلى جاوا واتصل بكبار علمائها خاصة من السادة آل باعلوي ، ولم يمنع تقدمه في العلوم من الأخذ عنهم ، فأخذ عن الحبيب عبد اللّه بن محسن العطاس ببوقور ، والحبيب أحمد بن عبد اللّه ببكالوغن ، وغيرهما . ثم سكن جاكرتا وعقد للعلم سوقا رائجة ، وانتفع به الناس ، وأصبح محط أنظار الجميع ، وعظم به النفع ، وعرف عنه كثرة التواضع والتمسك ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومحاربة الاستعمار ، والدعوة إلى توحيد المسلمين ، والمحافظة على الأوقات ، إلى غير ذلك من المحاسن . وفي سنة 1374 ه حج بيت اللّه الحرام ، فاجتمع عليه العلماء والطلاب واستجازوا منه فأجازهم ، وعقد مجالس في التذكرة والدعوة إلى اللّه تعالى . ولم يزل على حاله المعهود رغم تقدم سنه ، إلى أن أتاه الحمام ، وانتقل إلى رحمة الملك العلّام ، في جاكرتا سنة 1396 ه في صباح الاثنين 16 صفر ، ودفن بجوار العارف باللّه الحبيب محسن بن محمد العطّاس . وترك عدة مصنّفات منها : - كتابه المفيد : « تاج الأعراس في مناقب الحبيب القطب صالح بن عبد اللّه العطاس » في مجلدين ، طبع أخيرا بأندونيسيا ، وقد حوى فوائد فرائد . على باشا الثالث « * » ( 1233 - 1320 ه ) علي باشا باي ابن حسين باشا باي ابن محمود بن محمد الرشيد باي . هو الباي الثاني الذي تولى العرش على عهد الحماية الفرنسية بعد وفاة أخيه المشير الثالث محمد الصادق باي . بدأ حكمه بالعفو عن جميع العصاة وردّ أملاكهم إليهم ، وكان النفوذ في أيامه كلها يعد في أيدي الفرنسيين فبالغ في مسالمة الاستعمار ، وعكف على الاشتغال بالفقه ، وأنعمت عليه الحكومة الفرنسية بوسام جوقة الشرف . له تأليف سماه « مناهج التعريف بأصول التكليف » وهو في الفقه الحنفي ، والتوحيد والآداب الشرعية ، جمع فيه أصول المطلوب على المكلف على وجه الإيضاح والاختصار ، وغايته أن يتعرف العبد على ما يخرجه من داعية هواه ، ويعرف ما يجب عليه لمولاه في سره ونجواه . وعزي هذا التأليف أيضا

--> ( * ) « الأعلام » : 5 / 92 ، و « الأعلام الشرقية » : 1 / 21 - 22 ، « إيضاح المكنون » : 2 / 563 ، 586 ، وفي الإحالة الثانية ترجم له باسم علي صادق باي التونسي ، وهذا هو الذي غرّ صاحب « معجم المؤلفين » فترجم له مرتين 7 / 79 - 80 ، 7 / 108 ، ففي المرة الأولى ذكره على وجه الصواب ، وفي المرة الثانية أخطأ في اسم والده وترجم له باسم « علي صادق باي التونسي » ونقل ذلك عن « إيضاح المكنون » 3 / 563 . ولو تنبّه المؤلف قليلا لعلم أنه الشخص نفسه الذي ترجم له أولا وذكر في الموضعين أنه مؤلف « مناهج التعريف » ، ولا يمكن أن يكون اسم تأليف واحد لشخصين متعاصرين في بلد واحد ، « برنامج المكتبة الصادقية » ( العبدلية ) 4 / 250 ، « شجرة النور الزكية » 2 / 178 ، 179 ، « معجم المطبوعات » 2 / 355 ، « هدية العارفين » : 1 / 778 ، و « تراجم المؤلفين التونسيين » لمحمد محفوظ : 3 / 422 - 423 .