يوسف المرعشلي

880

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

أبي بكر بن علي بن علوي العلوي الشافعي . ولد بمدينة قيدون بحضرموت في رجب سنة 1299 . قال في « تاج الأعراس » : الحبيب الذي خطبته المعالي وهو في معهده ، ولاحظته العناية في تشهيره وجده ، كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ على سوقه بين أبيه وجده ا ه . كان جده من أكابر العلماء العاملين وكذا أبوه المتوفى سنة 1316 ه بجاوا وأخباره ومناقبه مسطورة في « نيل المراد من تلخيص مناقب الحبيب الإمام محمد بن طاهر الحداد » وفي « باكورة الثمر من مناقب الإمام محمد بن طاهر بن عمر » كلاهما للحبيب علي بن حسن العطاس . حفظ القرآن الكريم في صغره ، وبعض المتون المتداولة في النحو والفقه ، ثم اشتغل على جده ووالده ، فقرأ عليهما الشيء الكثير ، وتفقّه على الشيخ العلامة أبي بكر بن أحمد بن عبد اللّه الخطيب ، وقرأ في علوم القرآن ومصطلح الحديث والآلات على الشيخ عبد اللّه بن أبي بكر المرحم الخطيب - والمرحم بضم الميم وفتح الراء وكسر الحاء المشددة - ، والشيخ عبود باطوق العمودي . على أن والد صاحب الترجمة لم يكتف بهؤلاء الأفاضل ، بل زار به مدن حضرموت ليتم له الأخذ عن أكابر السادة آل باعلوي ، فأخذ عن الحبيب حسين محمد البار ، والحبيب عمر بن هادون العطاس ، والحبيب أحمد بن حمس العطاس ، والحبيبين محمد وعمر ابني صالح بن عبد اللّه العطاس ، والحبيب عيدروس بن عمر الحبشي ، والحبيب علي بن محمد الحبشي . وفي سنة 1317 ه سافر إلى الحرمين الشريفين ، وبعد أن حج واعتمر زار سيد مضر صلى اللّه عليه وسلم ، أخذ بمكة المكرمة عن شيخ الشافعية محمد سعيد بابصيل ، والشيخ عمر بن أبي بكر باجنيد ، والحبيب حسين بن محمد الحبشي ، وبعد أن بلغ ما رغب من أم القرى ، سافر إلى جاوا ، وفيها أخذ عن الحبيب محمد بن عيدروس محمد الحبشي ، والحبيب محمد بن أحمد المحضار ، والحبيب عبد اللّه بن محسن العطاس - ولصاحب الترجمة مع هؤلاء الثلاثة أحوال وأخبار ذكرها صاحب « تاج الأعراس » يحسن الرجوع إليها . ومقروءاته على مشايخه المذكورين لا حصر لها في مختلف الفنون ، وتعدد الكتب من صغير وكبير . جلس للتدريس في بوقور من جاوا الغربية ، فدرّس في كل الفنون الشرعية وآلاتها فلا تزال القراءة في أكثر أوقاته ، وكثيرا ما يوجه الأسئلة لطلبته كالمستفهم تنشيطا لهم ، وكان يدفع لطلبته الكتب التي يحتاجونها ويحرّضهم على قراءة كتب المتقدمين ، وكان عنده الكثير من نفائس المخطوطات . ورغم تمكنه في العلوم إلا أنه كان يتورع عن الإفتاء فيحيله إلى من عنده من العلماء ، لأنهم لا يزالون محيطين به سفرا وحضرا . وحصل عليه إقبال عظيم ، واستجاب الناس له حتى - اتجهت إليه الأعيان من كل مكان ، فصار المشار إليه بالبنان ، وعند ذلك اتسعت عليه وله دوائر الأخذ والإلقاء ، من حيث الإجازة والإلباس ، والتحكيم مباشرة ومراسلة ، فلا يكاد يودّع شيخا حتى يستقبل آخر ولا يختم رسالة إلا ويفتح غيرها . وله أشعار في الثناء على اللّه تعالى والمدح وغير ذلك ، وقد جمع مكاتباته ونثره وشعره الحبيب محمد بن سقاف بن زين بني محسن العطاس . وكان بينه وبين إمام اليمن يحيى بن محمد بن حميد الدين مكاتبات ومشاعرات ومراسلة ودية تنبىء عن معرفة كل منها بمرتبة الآخر العلمية والعقلية ، وكان الإمام أحمد يتمنى أن يفد عليه المترجم . ومن مآثره بناؤه المساجد في جاوا الغربية ، ورباط العلم ببلدة قيدون من حضرموت ، وجمع له مالا واشترى عقارا بجاوا تصرف غلته على طلبة العلم المقيمين بالرباط ، كما اعتنى برباط تريم وبطلبته ، كما جدد كثيرا من المساجد بحضرموت وأندونيسيا . أما عن كرمه فقال في « تاج الأعراس » : إن بيت صاحب الترجمة هو كعبة الضيفان ومفزع اللهفان ومعشش الأرامل والأيتام من مختلف البلدان ، على أنه يعطي للسائل فوق ما سأل ، والمؤمل أكثر مما أمل ، ولا يحوج أهل الفضل إلى السؤال وشكاية الحال . وكانت وفاته صباح يوم الخميس لثلاث وعشرين مضت من محرم الحرام سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة وألف بمدينة بوقور من جاوا الغربية . رحمه اللّه وأثابه رضاه .