يوسف المرعشلي
852
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
الدهلوي ، واشتغل بها مدة حتى رسخ في قلبه الإيمان ، فهاجر من بلدته إلى أرض السند سنة أربع وثلاث مئة وألف وأسلم على يد الشيخ الحاج محمد صديق السندي وبايعه في الطريقة القادرية ، واشتغل بالعلم فقرأ رسائل النحو والصرف إلى « كافية ابن الحاجب » ، ثم سافر إلى « الملتان » ومنها إلى « ديوبند » وقرأ على أساتذة المدرسة بعض رسائل المنطق ، ثم سافر إلى « كانپور » وقرأ أكثر الكتب الدراسية لعله على مولانا أحمد حسن الكانپوري ، ثم رجع إلى « ديوبند » وأخذ الحديث عن العلامة محمود حسن الديوبندي وتفقّه عليه . ولي التدريس بمدرسة دار الرشاد في أرض السند ، فدرّس بها زمانا ، ثم رجع إلى « ديوبند » وأقام بها مدة من الزمان وأسّس جمعية مؤتمر الأنصار ، وخالفه أعضاء المدرسة العربية في بعض الأمور واتهموه بسوء الاعتقاد ، فسار إلى « دهلي » وأسس نظارة المعارف بفناء المسجد الفتحپوري ، وأعلن أنه يدرّس القرآن الكريم و « حجة اللّه البالغة » وبعض كتب الحديث في سنتين لمن يريد الأخذ ممن نالوا درجة الفاضلية في الإنجليزية ، فدرّس بها أعواما . ثم لما نشبت الحرب الكبرى سافر إلى حدود أفغانستان مختفيا متسترا بإيعاز من شيخه العلامة محمود حسن الديوبندي ، يحمل رسالة الجهاد والثورة على الإنجليز إلى خاصة تلاميذه ، وليحمل أمير أفغانستان على محاربة الإنجليز والهجوم على الحكومة الإنجليزية في الهند ، فورد في « كابل » في خامس ذي الحجة سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مئة وألف ، وقابل الأمير حبيب اللّه خان والي أفغانستان ونائبه ، واقترح عليهما زحف الجنود الأفغانية إلى الهند ، ووعد الأمير ، واتفقوا على أنه إذا نجحت هذه المهمة وتحقق الجلاء فإنه سيجلس على عرش دهلي ابن من أبناء الأمير كملك دستوري للبلاد ، وقامت في « كابل » حكومة هندية موقتة كان رئيسها راجه مهندرپرتاب أحد الثوار من الولاية الشمالية الهندية ، وكان الشيخ عبيد اللّه وزير الداخلية في هذه الحكومة ، وبدأ عبيد اللّه يشكل فرقة من المتطوعة لهذا الغرض سماها جنود اللّه ، وأرسل في هذه المدة رسائل سرية إلى شيخه ، اشتهرت فيما بعد بالرسائل الحريرية ، لأنها كانت كتبت على مناديل من الحرير ، وأصبحت الشغل الشاغل للإنجليز ، وجرت حولها مباحثات وتحقيقات . وتنكرت الحكومة الأفغانية للشيخ عبيد اللّه ( لعل ذلك بإيعاز من الإنجليز وفرضت عليه رقابة وألزمته دارا ، كان يشتغل فيها بتعليم القرآن لزملائه المعتقلين الذين كان أكثرهم من تلاميذ الكليات والجامعات الذين هاجروا من الهند ، وفي سنة سبع وثلاثين وثلاث مئة وألف اغتيل الأمير حبيب اللّه خان وخلفه في الملك ابنه الأمير أمان اللّه خان ، ونشط الشيخ عبيد اللّه واستطاع أن يسرب إلى الهند إعلانات سرية فيها تحريض للجهاد وقتل الإنجليز ، ونشبت الحرب بين أفغانستان والإنجليز ، كانت فيها للشيخ ورفقته جولة وصولة ، وتوجيه وإشراف ، وحصلت الهدنة في الخامس والعشرين من شعبان سنة سبع وثلاثين وثلاث مئة وألف ، واستفادت أفغانستان من هذه الحرب ونالت الاستقلال ، وبقي عبيد اللّه ينتهز الفرضة لتحقيق غايته وإثارة الحكومة الأفغانية على تأييد القضية الهندية ، قابل لهذا الغرض القائد التركي المعروف بجمال باشا ، الذي زار « كابل » في أوائل سنة تسع وثلاثين وثلاث مئة وألف ، وبدأ نفوذ الإنجليز يقوى في بلاط الأمير أمان اللّه خان ، وبدأ مجال العمل يضيق ويقصر للشيخ عبيد اللّه وزملائه وتلاميذه ، فغادر « كابل » لثمان بقين من صفر سنة إحدى وأربعين وثلاث مئة وألف مع زملائه الشباب وتجشم المشاق في هذه الرحلة ، ومر « ببخارا » و « تاشقند » حتى وصل في التاسع عشر من ربيع الأول من هذه السنة في « ماسكو » عاصمة البلاد السوفيتية ومكث هناك نحو تسعة أشهر ، درس في خلالها فلسفة الشيوعية ونظامها بمساعدة تلميذه وزميله ظفر حسن أيبك ، وقابل بعض زعماء الحركة ، من بينهم وزير الخارجية في المملكة ووافق على مساعدة أهل الهند في إجلاء الإنجليز ، وشاهد الضغط الموجود على الديانات ، وأرهاق الأقليات ، ووضع خطة للحكومة الحرة الهندية تقوم على الوفاق ، وطبعها وأرسلها تهريبا إلى الهند ، وصودرت هناك . فلما يئس من الروس توجه في شهر ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وثلاث مئة وألف إلى « تركيا »