يوسف المرعشلي
825
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
طلب علومه على العلامة أبيه أولا ، ثم على كبار علماء دمشق ؛ فلازم الشيخ سليم العطار عشرين سنة بدأ عليه أولا . ثم بعد ثلاث سنوات رافقه في الطلب عطا الكسم بتزكية منه ، فلازماه سبع عشرة سنة ، وكان إذا سئل الشيخ سليم عن طلابه قال : « الأسطواني والكسم والباقي رسم » . وأخذ المترجم عن الشيخ سعيد الأسطواني ، والشيخ محمود الحمزاوي ، وغيرهم ، وأجازوه بإجازات حافلة . وبعد وفاة والده سنة 1314 ه عيّن إماما في جامع البزورية القريب من بيت أسعد باشا العظم حتى سنة 1326 ه . كان كريم الخلق ، لطيف المعاشرة ، ذا نكتة ، وله مواقف عظيمة في وجه الظلم والطغيان ، جريئا لا يخاف في اللّه لوما ؛ ولهذا هابه الحكام . صادقا في حديثه نزيها في حكمه ، يعطف على المضطهدين والمظلومين وينصفهم ، ومع هذا فهو صاحب دعابة لا تفارقه غالب أحواله . كثير الجلوس في الجامع الأموي وحوله أهل العلم والورع يتذاكرون . وقد اتفقت الألسنة على زهده وورعه ، وعلمه وديانته ، وربما لهذا السبب لقبه العامة ( السبع الأحول ) لقبل في عينه اليسرى وضمور فيها . رزق فهما عميقا ، وبديهة سريعة ، وظهر نبوغه مبكرا مما جعله محل إعجاب شيوخه وكبار رجال عصره . مثال الوفاء ، وخاصة لصديق عمره وزميله الشيخ عطا الكسم ، عملا معا على حفظ القرآن الكريم ، ولم تغيّر المناصب ما بين الصاحبين ، بل كانا يتوادّان ويتشاوران فيما يعرض لهما من أمور ، وكان الشيخ عطا المفتي لا يبثّ أمرا إلا بمشورته . وكان بارا بوالديه يحبهما ، وقد حدثوا عنه أنه كان مرّة في قافلة الحج ومعه والدته ، وفي بعض الطريق اشتهت أن تأكل جبن ( القشقوان ) ، وبحث طويلا عما تريد حتى وجد جبنا مع الشيخ عبد الرحيم دبس وزيت ؛ الذي كان يرافق القافلة . . وبعد مدّة عزّ الماء وقلّ ، وعطش الشيخ عبد الرحيم عطشا شديدا ، وخطر له أن يستسقي المترجم ، فبحث عنه ، وطلب منه ماء على استحياء خشية أن يثقل عليه فقال له : « كيف لا أعطيك ماء ، وكنت أنت سبب رضاء أمي علي وابتهاجها ؟ ! » . قدّره السلطان رشاد كلّ التقدير ، فقد اتفق أن ذهب في أثناء الحرب العالمية الأولى مع الهيئة العلمية برئاسة الشيخ أبي الخير عابدين ؛ مفتي الشام إلى إستانبول للاطلاع على أحوال الجنود العرب في الجيش التركي المرابط في الدردنيل ، فطلب منه السلطان إلقاء درس في جامع السلطان على غير استعداد منه ؛ فلبّى ودار الموضوع حول الحديث الشريف : « إنما الأعمال بالنيات » . وحضر الدرس كبار العلماء والأمراء والقضاة وكبار رجال الدولة ، وطلاب العلم يزيد عددهم عن خمسة آلاف ، فاستحوذ على إعجابهم كلهم ، ثم أقام السلطان رشاد حفلا تكريميا للوفد ، وخص المترجم بأكبر قسط من الحفاوة والرعاية ، وتقدم إليه فقبّل يده أمام الأمراء والوزراء ، وهذه أول مرة تقع من سلاطين بني عثمان الأواخر . وكان يرافقه في الوفد الشيخ عبد القادر الخطيب ، ممثلا عن خطباء دمشق ، والشيخ تاج الدين الحسني نيابة عن والده الشيخ بدر الدين ، والسيد عطا العجلاني نقيب الأشراف . أحب العلماء وروى قصصهم ، وقد عاصر بعضها ، وهو يتحدث عن وقوفهم في وجوه الطغاة . لم يعرف التعصب أبدا ، بل كان يتبادل الرأي مع صديقه السيد محسن الأمين ؛ مرجع المذهب الشيعي ، يتعاونان معا ، ويسدّان طرق الدجالين من أصحاب الطائفية . تقلّب في وظائف عديدة علمية وسياسية منذ اكتمل شبابه إلى ما قبل وفاته بسنوات ؛ فشغل أمانة الفتوى أول وظيفة له ، عند ستة من مفتيّي الشام ، وهم : الشيخ محمود حمزة ، فالشيخ محمد المنيني ، فالشيخ صالح قطنا ، فالشيخ رضا الحلبي ، فالشيخ سليمان الجوخدار ، وأخيرا الشيخ أبو الخير عابدين ، وكان عمره يوم تسلّمها ثلاثين سنة ، وبقي فيها حتى قبيل الحرب العالمية الأولى إذ نجح في الانتخابات ، وعيّن نائبا في مجلس المبعوثان عام 1913 م ، وانتخب معه عن دمشق كل من عبد الرحمن اليوسف ، وأمين الطرزي ، ومحمد باشا العظم . وفي سنة 1329 ه / 1911 م تقدم مرشحا لإفتاء دمشق ، وتقدم كذلك معه الشيخ رضا الحلبي ، فنجح الشيخ رضا بزيادة صوت واحد . وبعد الحرب اختاره الملك فيصل ليكون عضوا في