يوسف المرعشلي

754

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

حب الواقعية وعدم التعصب مع الإتقان والتعمق ، متوسطا بين الجمود والتجدد ، وبين التقليد ورفض التقليد ، وكانت له فطرة سليمة بعيدة عن الإفراط والتفريط ، كان متقشفا في حياته الشخصية ، زاهدا في معيشته ، ولكنه كان واسع النظر ، رحب الصدر في العلم والدراسة ، متتبعا للحديث الأحدث ، من العلوم والتجارب ، وكان حريصا على اتباع السنة بعيدا عن الإسراف وعن تقليد العادات الهندية ، وكان جادّا في كل أعماله ، متقنا لكل ما درسه من قديم وجديد ، إماما في مسجد الحي ، عالما فقيه النفس ، قد بايع مولانا حسين أحمد الفيض‌آبادي ، وكان شديد الحب كثير الإجلال له ، وكان بيته منزله الدائم في البلد ، وكان أثيرا كبير المنزلة عنده ، وكان قوي الحمية للإسلام ، مقدّرا للجهاد أينما كان ، حريصا على المساهمة فيه ، واسع الاطلاع على شؤون العالم الإسلامي ، شديد التعلق بجزيرة العرب والحجاز والحرمين الشريفين ، عميق الحب شديد التعظيم للنبي صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه وأهل بيته ، شديد الحب للعرب يسوؤه ويؤلمه ذمهم ، وانتقاص حقهم وفضلهم ، خبيرا بجغرافية الجزيرة العربية ، ألّف كتابا بالعربية في هذا الموضوع في شبابه ، كبير الاعتناء بالحديث النبوي الشريف ، وكان له شغف بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن قيم الجوزية ، حسن الاعتقاد شديد الإجلال للشيخ أحمد بن عبد الأحد السرهندي ، والشيخ ولي اللّه الدهلوي ، والسيد أحمد بن عرفان الشهيد ، وكان له شغف عظيم واهتمام كبير بالدعوة إلى الإسلام ونشر الدين والعلم في الطبقات المتخلفة وأصحاب الحرف والمهن . وكان واسع الذراع رحيب الصدر لإخوته الصغار وأهل بيته ، وكان قد غلب عليه الاحتساب ، لا يتكلم إلا فيما يعينه ، ويكتفي بقدر ما يلزمه ، ولا ينفق إلا فيما يرجو ثوابه ، مقتصدا فيما يتفاخر به الناس ، منبسطا فيما يدخره عند اللّه ، رزقه اللّه القبول العام ، وقد بلغ الغاية في برّ والده وطاعته ، ونال رضاه وأدعيته الوافرة ، وقد ختم رحمه اللّه ترجمته في هذا الكتاب بقوله : « وهو حسن الفهم ، جيد التصور ، قوي الإدراك ، قد أخذ العلوم الآلية والعالية بنصيب وافر ، فتح اللّه سبحانه عليه أبواب معارفه ، وجعله من العلماء العاملين ، ورفع شأنه وبارك فيه ، وجعله لي قرة عين بحوله وطوله ، وإني أجزته بجميع ما تجوز لي روايته ، وتصح عني درايته بحق ما أجازني جمع من المشايخ الأجلاء ، وأرجو اللّه تعالى أن ينفعه وينفع به ، ويجعله من عباده الصالحين ومن العلماء الناشرين للدين القويم بحق النبي الكريم صلى اللّه عليه وسلم » . كان مربوع القامة مائلا إلى القصر ، أبيض اللون والبشرة ، جميلا ، وسيما ، من رآه أحبه وأجله ، طلق الوجه وقورا ، ضحكه التبسم في غالب الأحوال ، وإذا ضحك دمعت عيناه ، عريض الجبهة ، واسع العينين ، نظيف الأثواب في غير تكلف وإسراف ، يحب النظافة والنظام في كل شيء ، يؤثر من اللباس والطعام ما خفّ وعمّ ، وكان جيد الخط ، بارعا في الكتابة ، متقنا للحساب ، يجيد اللغة الفارسية والعربية والإنجليزية ، وإذا كتب باللغة الأردوية أوجز وأجاد ، وكان يباشر أموره بنفسه ، وكان يحسن شيئا كثيرا من الأمور المنزلية ، ويعرف الخياطة والطبخ ، وكان صبورا دؤوبا في المداواة والتمريض ، ناصحا مخلصا للمرضى ، لا يستحيي من قوله : « ما فهمت » ولا يصر على خطأ ، ويحب الفقراء والمساكين ، ويؤثر مساكنتهم ومجالستهم ، ويكره المبالغة في كل شيء ، قد فطر على الاقتصاد والتوسط في أمور الدين والدنيا . ولم يزل على ذلك حتى انحرفت صحته في الزمن الأخير ، وأصيب بضغط الدم وأمراض القلب ، حتى وافاه الأجل المحتوم لتسع ليال بقين من ذي القعدة سنة ثمانين وثلاث مئة وألف ، وصلى عليه مولانا عبد الشكور اللكهنوي في جمع حاشد ، ونقل جثمانه إلى وطنه « رائي بريلي » حيث دفن بجوار والده وأجداده بمقبرة شيخ المشايخ الشيخ علم اللّه النقشبندي رحمه اللّه تعالى . عبد العلي الحيدرآبادي « * » ( 000 - 1311 ه ) الشيخ الفاضل : عبد العلي بن محمد مهدي بن عارف الدين بن محمد معروف البرهانپوري المدراسي

--> ( * ) « الإعلام بما في تاريخ الهند من الأعلام » ص : 1282 .