يوسف المرعشلي
749
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
ولد في حمص عام 1335 ه لأسرة عريقة في العلم والفضل ، ولما نشأ تلقّى عن عمه الشيخ عبد الغفار ، وعن الشيخ عبد القادر الخوجه ، والشيخ طاهر الرئيس ، والشيخ عبد الجليل مراد ، وغيرهم . كما تلقّى في دار العلوم الشرعية التابعة للأوقاف عن الشيخ زاهد أتاسي ، والشيخ أنيس كلاليب ، والشيخ محمد الياسين ، والشيخ أحمد صافي ، ووالده الشيخ محمد علي عيون السود . وتخرج عام 1355 ه / 1936 م . أصيب بمرض قطعه عن الناس ، فاغتنم الفرصة ، فحفظ القرآن الكريم ، وتلقّى « علم القراءات السبع بمضمن الشاطبية » عن الشيخ سليمان الفارس كوري المصري ، ثم حفظ « الدرة » و « الطيبة » ، ونزل دمشق فقرأ على الشيخ محمد سليم الحلواني ؛ شيخ القراء ، وأخذ عنه « القراءات العشر بمضمن الشاطبية » و « الدرة » . وفي وقت أخذه عنه كان يتردد إلى قرية عربيل ( عربين ) قرب دمشق ، ليأخذ عن الشيخ عبد القادر قويدر الشهير بالعربيني « القراءات العشر بمضمن الطيبة » ، وقرأ في مكة المكرمة بعد الحج على الشيخ أحمد حامد التيجي ؛ شيخ قراء الحجاز « القراءات الأربع عشرة بمضمن الشاطبية » و « الدرة » و « الطيبة » و « الفوائد المعتبرة » . استأذن والده ، فرحل إلى مصر ، وتلقّى القراءات عن شيخ عموم المقارىء المصرية الشيخ محمد علي الضبّاع : فقرأ عليه القراءات الأربع عشرة من طريق « الشاطبية » و « الدرة » و « الطيبة » و « الفوائد المعتبرة » . كما تلقّى عنه « المقدمة في التجويد » لابن الجزري ، ومنظومتي « عقيلة أتراب القصائد » و « ناظمة الزهر في علم الرسم والضبط والآي » وكلتاهما للشاطبي . وقد أجازه علماء القراءات المذكورون كلّهم . وبينه وبين النبي صلى اللّه عليه وسلم ستة وعشرون رجلا كل منهم مشهور بشيخ قراء زمانه ، وكلّ مشهود له بالتحقيق والتدقيق . وهذا إسناد ليس في زمنه أعلى منه ولا أقرب إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم . وإلى جانب علمه في القراءات كان عالما في التفسير يحقّق فيه . وله باع في علم مصطلح الحديث ، وقواعد الجرح والتعديل . حفظ الكتب الستة والمسلسلات ، وأجازه النعيمي الجزائري المحدّث . وعنده عدة إجازات في رواية بعض الأحاديث . تلقّى الفقه الحنفي وأصوله عن والده وعمه الشيخ عبد الغفار ، وشيخه عبد القادر خوجه ، وهم فقهاء بالتلقّي بالسند المتصل بأبي حنيفة رضي اللّه عنه . وكان متمكنا يرجع إليه في معضلات الفقه ، حتى غدا المرجع الأعلى في حمص بالفقه . واسع الاطلاع في علوم العربية ، ومحفوظاته كثيرة تبلغ نحوا من ثلاثة عشر ألف بيت من الشعر في العلوم المختلفة . افتتح دار الإقراء بحمص ، وأخذ عنه الكثيرون علم التجويد ومخارج الحروف والقراءات والرسم والآي ، وأجاز « بالقراءات السبع عن طريق الشاطبية » ، و « القراءات الثلاث فوق السبع من طريق الدرة » الشيخ عبد الغفار الدروبي ، وتلقّى عنه الشيخ سعيد العبد اللّه ؛ شيخ قراء حماة ، وأجاز المحدث النعيمي الجزائري الذي وفد خصيصا من الجزائر للقراءة عليه ، وتلقّى عنه « القراءات الأربع عشرة بمضمن الشاطبية » و « الدرة » و « الطيبة » و « القواعد المعتبرة » ، وقرأ عليه الشيخ محيي الدين الكردي من دمشق ختمة كاملة لورش من طريق الأصبهاني من طريق الطيبة ، وأجازه ، وقرأ عليه آخرون وأجازهم . جمع مع العلم التواضع للعلماء والمتعلمين : لكنه كان مع التواضع وقورا مهيبا ، محبوبا بين الناس ، حسن العشرة والصحبة ، يهتم بمرافقيه وطلابه ويعتني بهم ، ويرفع قدرهم . بارّا بوالديه وأعمامه ، حريصا على خدمتهم في حياتهم ؛ يكثر من زيارتهم بعد موتهم ، ويذكرهم بالاحترام ، بارّا بشيوخه وعلماء عصره ؛ يحرص على رضاهم ويتردّد إليهم . يكثر من زيارة الصالحين . كان قليل المزاح ، كثير الذكر والتلاوة والصلاة ، يحافظ على الصلوات لأوقاتها مع الجماعة ، وقد نقل أنه لم يصلّ منفردا أبدا لا في سفر ولا حضر ، يديم التهجّد ، ويثابر على الذكر بين العشاءين ، وبين الفجر وطلوع الشمس . وكان يحرص على تطبيق السّنّة في أعماله وعباداته . وهو من أعلام العلماء إذا تحدث بينهم كان له قدره وجلاله ، يجذب إليه الجالسين بكلامه ، وقد حدثوا في هذا الشأن أنه التقى في إحدى المرات مع شيخ الأزهر الدكتور عبد الحليم محمود ، وضمّ المجلس نائب رئيس