يوسف المرعشلي
7
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
وأخرج أبو داود والترمذي وابن ماجة في سننهم ، وابن حبّان في « صحيحه » من حديث أبي الدرداء ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك اللّه به طريقا من طرق الجنّة ، وإنّ الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم ، وإنّ العالم ليستغفر له من في السّماوات ومن في الأرض ، والحيتان في جوف الماء ، وإنّ فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ، وإنّ العلماء ورثة الأنبياء ، وإنّ الأنبياء لم يورّثوا دينارا ولا درهما ، ورّثوا العلم ، فمن أخذه أخذ بحظّ وافر » « 1 » ومعلوم أنه لا رتبة فوق النبوّة ، ولا شرف فوق شرف الوراثة لتلك الرتبة ، وأيّ منصب زيد على منصب من تشتغل ملائكة السماوات والأرض بالاستغفار له ؟ ! - من هم العلماء ؟ ولكن ما هو المقصود بالعلم ؟ ومن هم العلماء المقصودون في هذه الآيات والأحاديث ؟ يقول حجّة الإسلام الإمام أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن محمد الغزالي ( ت 505 ه ) في أول كتاب العلم من كتابه « إحياء علوم الدين » : ( أشرف الصناعات بعد النبوّة : إفادة العلم ، وتهذيب نفوس الناس عن الأخلاق المذمومة المهلكة ، وإرشادهم إلى الأخلاق المحمودة المسعدة ، وهو المراد بالتعليم ) . ويقول : ( وليس يخفى أن العلوم الدينية ، وهي فقه طريق الآخرة ، إنما تدرك بكمال العقل وصفاء الذكاء ، والعقل أشرف صفات الإنسان ، إذ به تقبل أمانة اللّه ، وبه يتوصّل إلى جوار اللّه سبحانه ، وأمّا عموم النفع ، فلا يستراب فيه ، فإن نفعه وثمرته سعادة الآخرة ، وأما شرف المحلّ فكيف يخفى والمعلّم متصرّف في قلوب البشر ونفوسهم ، وأشرف موجود على الأرض جنس الإنس ، وأشرف جزء من جواهر الإنسان قلبه ، والمعلّم مشتغل بتكميله وتجليته وتطهيره ، وسياقته إلى القرب من اللّه عزّ وجل ، فتعليم العلم من وجه : عبادة للّه تعالى ، ومن وجه خلافة للّه تعالى ، وهو من أجلّ خلافة اللّه ، فإنّ اللّه قد فتح على قلب العالم العلم : الذي هو أخصّ صفاته ، فهو كالخازن لأنفس
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في سننه 4 / 57 ، أول كتاب العلم ، الحديث ( 3641 ) ، وابن ماجة ، الحديث ( 223 ) والترمذي في العلم ، باب فضل الفقه على العبادة ، الحديث ( 2683 ) .