يوسف المرعشلي
690
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
وبعد وفاة والده ، ولفرط أدبه ، انتقل إلى بغداد ، ولكن لم يعمر طويلا . توفي في الحضرة الكيلانية ، ودفن في المقبرة المتصلة بضريح الغوث الأعظم . كان له ديوان أشعار قدس اللّه روحه العزيز . من كرامات حضرة الشيخ عبد الرحمن من كراماته أنه وصّى بعد وفاته أن يدفن قرب الباز الأشهب الشيخ عبد القادر الگيلاني ، لكن عندما توفي دفنوه في محل آخر ، فإذا بحضرة سيدنا الغوث الأعظم يأتي في النوم ويأمر نقيب الأشراف بوجوب نقل جثمان المرحوم الحاج الشيخ عبد الرحمن إلى قرب مرقده الشريف ، فيقوم من النوم ويقول : رؤيا منام ، لكن جاءه مرة ثانية وثالثة . وفي المرة الثالثة شدّد عليه وأشار بالعصا ، فقام النقيب خائفا وأمر بنقل جثمان المرحوم إلى قرب مرقد الشيخ عبد القادر قدس سره حيث تمّ ذلك في صباح اليوم التالي . ومن كراماته أيضا أنه أصيب مرة بوجع العين فكان يتألم جدا ويصيح ، فذهب جماعته إلى والده حضرة الشيخ سراج الدين وأخبره بالألم الذي أصاب ولده العزيز ، فقال حضرته : أنا أيش أسوّي ، إن اللّه تعالى يحب سماع صوت عبد الرحمن . وكان مرة حضرة الشيخ بهاء الدين والعلامة ماموستا الحاج النودشي يريدان الحج . وكلف محمد باشا - نجل محمود باشا - حضرة بهاء الدين عندما يتحرك للحج أن يسافر معه ، فذهب إلى داره ومن هناك يتحركون إلى بيت اللّه الشريف . فجاء حضرة الحاج الشيخ عبد الرحمن بأجمل صورة وأنظف ثياب ويركب على أحسن فرس ، وكان بتلك البادرة من أجمل وأكمل الهيئات ، فأخذ يركّض فرسه أمام الدار ذهابا وإيابا ، مما أثار في خاطر العالم العلامة الحاج النودشي الذي كان إمام زمانه ومتبحرا في العلم وعاملا بعلمه وحجة زمانه . فكان يقول في نفسه : هل هذه الحركات مع هذه الهيئة الجميلة وهذا الفرس الأصيل المزين بأحسن زينة ، وهذا الزي الفاخر النظيف ، هل هذه الهيولا - أي الشكل - مخالفة لوقار ومنصب الإرشاد ؟ ويقول في قلبه ذلك ، ثم يوازنه بميزان الشرع النفيس ، فقرر أنه لا بأس في ذلك ، لأن الخيل المسومة ممدوحة في القرآن الكريم وليس فيها خلاف لأمر الشريعة لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « اطلبوا الخير في الخيل » ، و « الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة » ، وأيضا قوله : « أحب من دنياكم ثلاثا » فذكر منها الخيل ، وجمال الثياب مستحب لقوله صلى اللّه عليه وسلم : « حسن السمت من سنن النبوة » . أو كما قال . أما جمال الصولة فهي من تجميل اللّه تعالى للإنسان حيث قال : وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ [ غافر : 64 ] ، وأما النظافة فإنها من كمال الإيمان . ثم إن المستقبلين الذين يشاهدون هذا الركض هم موجودون في أطراف الدار ، فلا حريم هناك ولا نساء تثير النفوس ؛ فهذا ما كان يتحدث به العلامة في نفسه ، ثم لم يلبث أن ركض الشيخ عبد الرحمن ووقف تجاه الأستاذ ونظر إليه مبتسما ، وقال : ستعرف بعد حين ! . . . وعندما وصل الأستاذ إلى الكعبة الشريفة رأى هذه الركضة التي عملها الشيخ عبد الرحمن بعينها وهو يطوف بها حول البيت الشريف بتلك الهيئة الجميلة الفاخرة التي كان يتحلى بها . قال الأستاذ : ونظر إليّ وتبسّم نفس التبسّم الذي تبسّمه قبلا ، فركضت لألحق به ، فلم أقدر أن أصل إليه . الجزيري « * » ( 1299 - 1360 ه ) عبد الرحمن بن محمد عوض الجزيري : فقيه ، من علماء الأزهر . ولد بجزيرة شندويل ( مركز سوهاج ) بمصر . وتعلم في الأزهر ، سنة 1313 - 1326 ه ، ودرّس فيه . وعين مفتشا لقسم المساجد بوزارة الأوقاف سنة 1330 فكبيرا للمفتشين ، فأستاذا في كلية أصول الدين . ثم كان من أعضاء هيئة كبار العلماء . وتوفي بحلوان . له كتب ، منها : - « الفقه على المذاهب الأربعة » . ( ط ) ، أربعة أجزاء ، شاركته في تأليف الجزء الأول منه ، لجنة من العلماء ، وانفرد في تأليف بقيته .
--> ( * ) « الأعلام » للزركلي : 3 / 334 - 335 .