يوسف المرعشلي
679
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
- « شمس الظهيرة في أنساب السادة العلوية بحضرموت » . ( خ ) . أربع مجلدات في مكتبة الحبشي بالغرفة ( باليمن ) طبعت مقدمته . عبد الرحمن الحوت « * » ( 1264 - 1336 ه ) السيّد الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن درويش الحوت البيروتي . ولد في مدينة بيروت سنة 1846 م ، في روضة من رياض الدين والشريعة السمحاء ، وفي حصن من حصون الإسلام الشامخة ، ومن بيت ما أنجب إلّا كل فتى صالح ومصلح ، من هذا كله انحدر العلامة الشيخ عبد الرحمن ابن الشيخ محمد ابن السيد درويش الحوت البيروتي الشافعي العلوي ، نسبة إلى سيدنا الإمام عليّ بن أبي طالب كرّم اللّه وجهه . درج منذ حداثته رحمه اللّه على حضور حلقات التدريس التي كان يقيمها العلامة والده في بيته وفي المساجد يبث في تلاميذ طلاب العلم ما وهب ، وكان عبد الرحمن بحكم صغر سنه يجلس في الصفوف الأولى ، وهو شديد الانتباه يتمتع بذاكرة فذة فتحت أمامه سبل الوعي الفكري باكرا . حفظ القرآن الكريم استظهارا وأحكاما وترتيلا . وشغف بعلم الفقه والحديث وهو ابن اثنتي عشرة سنة ، فغاص بحورها يلتقط دررها الوضاءة النيّرة خالية من الشوائب والطفيليات . وما بلغ الثامنة عشرة من عمره حتى ملك مفاتيح العلم والمعرفة الكاملة في الشؤون الدينية فأخلص للّه فكرا وقلبا وعملا . سار في حياته سيرة الصالحين الأبرار ، فحصر عمله من دنياه في السعي والعمل الدائب لإقامة المساجد وترميمها وإصلاح المتداعي منها ، وإليه يعود الفضل في إقامة تصوينة جبانة الباشورة . ومن أروع مساعيه جامع الحرج الذي أشرف بنفسه على بنائه ، إذ جمع من أهل الخير ومنهم المرحوم الحلبوني الذي طلب من سماحته إعادة ما جمع إلى أصحابه على أن يتحمل هو وحده تكاليف بناء الجامع ، إلا أن المغفور له الشيخ عبد الرحمن اشترط أن يتحمل هو نفسه بعض التكاليف . وهكذا بوشر البناء ، ولما كان الحلبوني يعلم وضعية الشيخ الصالح المالية ، فقد خصص له مبلغا ليؤمن تنقله يوميا من داره في زقاق البلاط إلى الحرج حيث يقام البناء . وذات يوم كان الحلبوني مارا في عربته شاهد الشيخ مهرولا والمطر يبلله فأوقف عربته وأسرع نحوه قائلا : يا شيخي ما هذا ؟ لماذا لا تركب عربة لتنقلك ؟ أصرفت ما خصصته لذلك ؟ فقال الشيخ : أي واللّه لقد ضممته إلى بناء الجامع وهذا ما يريح ضميري وكسب رضاء ربي . وعندها قال الحلبوني : إنك تضطرني يا شيخي لنقلك يوميا في عربتي ، وانكب على يديه يقبلهما بحرارة والدموع تنهمر من عينيه . وانتخب سماحته رئيسا لجمعية المقاصد الخيرية الإسلامية ، وبعد انقضاء مدته القانونية أعيد انتخابه رئيسا لها بالنظر للفائدة الأدبية والمادية والدينية التي أحيطت بها الجمعية ، وما حصل فيها من تقدم ملموس دفع عجلتها قدما في معارج الكمال ، للثقة غير المحدودة التي كان يتمتع بها سماحة الشيخ الصالح لدى كافة الأوساط الشعبية والرسمية . مع ما اشتهر عن جمال باشا أبان الحرب العالمية الأولى وعبر المجاعة الكبرى ، زار جمال باشا الشيخ في داره الخالية الخاوية من المفروشات إلا بعض الحصر والكراسي العادية ، ودخل جمال باشا إلى غرفة الشيخ فوجده جالسا على طراحة صغيرة يتلو آيات اللّه البيّنات فلم يقف له . وبعد أن أتمّ قراءته نظر إلى جمال باشا وخاطبه : اجلس يا أفندي ، وأسرع الباشا وتناول يد الشيخ يوسعها تقبيلا . . . ثم عرض عليه بأن تقوم الدولة بفرش داره فأبى قائلا له : وفرّوا للفقراء لقمة العيش ، وانقذوا الناس من الموت جوعا يا باشا ، فهذا عند اللّه أعظم من كل شيء ، ومن ذهب الدنيا ومباهجها . وبعد أن تباسط معه الحديث خرج جمال باشا وهو يقول لمرافقيه : ما هذا الرجل إنه واللّه ملاك صالح ، وهذا ما نقل إليّ عنه ، وقد تحققت بنفسي الآن . وفي سنة 1331 قام للمرة السابعة بأداء فريضة الحج .
--> ( * ) « علماؤنا في بيروت » للداعوق ، ص : 92 - 94 .