يوسف المرعشلي
643
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
للامتحانات ، فلم يحصل على شهادة الأزهر . وصل في قراءته إلى درجة رفيعة من الإتقان ، ليس معها زيادة لمستزيد ، شهد له بذلك شيخه الدقر ، الذي صلّى وراءه تراويح رمضان شهرا كاملا ، استمع منه فيها إلى ختمة تامة . وكذلك كان دأب المترجم كل رمضان . وبلغ من ثقته بقراءته أنه كان يقول لمن يعرفه : أدفع ليرة ذهبية لمن يقع لي على غلطة واحدة . وقد جمع إلى إتقان القراءة حلاوة الصوت وجودة الأداء وجهارة النبرة . وفي هذا قال عنه شيخه عبد الجليل المرعي : « قراءته تطرب الحجر » . كما عجب قراء مصر في الأزهر من جهارة صوته . حتى قال قائلهم : « ده صوت يكسر الإزاز » ، ذلك لأنه يسمع من في المسجد كلهم ، وكان جامع السنانية في صلاة التراويح يغصّ بالمصلين الذين كانت صفوفهم تصل إلى الطرقات خارج المسجد ، وهم يتابعون قراءته . أمّ الناس بجامع السنانية مدّة طويلة جدا بالوكالة . وكان ذا همة عالية ، يلتزم بالحضور مع الفجر كل يوم آتيا من القابون على دراجته مع بعد المسافة ، لا يكاد ينقطع يوما واحدا ، ولم يكن بحاجة إلى مال ولا وظيفة يتكسّب منها . وأقام إلى جانب إمامته بالسنانية حلقات لتعليم القراءات ، كما كان يدرّس القرآن الكريم بالجمعية الغراء ، في التكية السليمانية ، أحد مراكز الجمعية . وإضافة إلى ذلك كان يلتزم كل أسبوع السفر يوما واحدا إلى بيروت ليقرأ في الإذاعة اللبنانية . والطريف أنه كان يتقاضى أجرا على ما يقرأ ثلاث ليرات ، ويدفع أجرة السيارة خمسا ، وهو راض مسرور . حفظ جملة صالحة من قصائد الصوفية ، ينشدها في الموالد الشريفة والمناسبات التي يدعى إليها من الراغبين فيه . قرأ عليه جماعة من الأفاضل ، تخرّجوا به ، منهم الشيخ أحمد نصيب المحاميد ، وشهد له المترجم بجودة القراءة وإتقانها ، وذلك حينما تأخر مرة عن الحضور للصلاة ، فقدّم الناس تلميذه الشيخ أحمد ، وأدركه الشيخ وهو في الصلاة ، فصلّى خلفه ، فلما انتهى سرّ به ، وقال له يزكّيه : « كأنّه هو » « 1 » مشبها قراءته بقراءته . ومن تلاميذه الشيخ إبراهيم يعقوبي ، قرأ عليه « هداية المستفيد » و « متن الغاية والتقريب » . وأكثر من لزمه ابن أخيه الشيخ أحمد المدني ، الذي تخرّج به ، وسافر معه إلى مصر . . وقرأ عليه الشيخ أحمد حمزة ، وأخوه الشيخ محمد حمزة من علماء القابون وغيرهم . أحد أشراف الأمة من حملة كتاب اللّه تعالى ، وجهه منير جميل ، أسود اللحية ، مربوع القامة إلى القصر ، يعتم بعمامة بيضاء ، يتحلّى بذكاء لطيف لمّاح . حكي أنّ أحد الولاة لمّا زار القابون ونزل في بيت والده مختار البلدة ، حدثوه عن قراءته وجمال صوته ، فطلب منه أن يقرأ ، فلما قرأ أعجب الوالي به كثيرا وقال لما عرف أن والده لم يأخذ من العلم بنصيب : « نعم الولد وبئس الوالد » ، فردّ المترجم قائلا : « بل نعم الوالد وبئس الجد لأنّ هذا الوالد هو الذي أنشأ هذا الولد ، بينما تقاعس الجد عن واجبه » . وكان للشيخ في بيته اهتمام بالأناقة والجمال والترتيب ، وكان على سعة من العيش . تزوج ثلاث مرات ولم يرزق بولد تقرّ به عينه . توفي في القابون 21 شعبان سنة 1363 عن خمسة وسبعين عاما تقريبا ودفن فيها . عبد الحميد الصادقپوري « * » ( 1245 - 1323 ه ) الشيخ العالم الكبير العلامة : عبد الحميد بن أحمد اللّه بن إلهي بخش بن هداية علي الهاشمي الصادقپوري العظيمآبادي ، أحد العلماء المبرزين في المعارف الأدبية . ولد يوم الأربعاء لثمان خلون من شوال سنة خمس وأربعين ومئتين وألف ببلدة « عظيمآباد » . قرأ المختصرات على عمه الشيخ فياض علي ، ثم سافر إلى « لكهنؤ » ولازم دروس المفتي واجد علي
--> ( 1 ) الآية 42 من سورة النمل وتمامها : فَلَمَّا جاءَتْ قِيلَ أَ هكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنَّا مُسْلِمِينَ . ( * ) « الإعلام بما في تاريخ الهند من الأعلام » ص : 1266 .