يوسف المرعشلي
635
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
واللغة ، ذا سكينة ووقار ، ووفور ذكاء وحسن تعبير ، وخبرة بمسالك الاستدلال ، ولطف الطبع وحسن المحاضرة ، وملاحة النادرة إلى حد لا يمكن الإحاطة بوصفه ، ومجالسته هي نزهة الأذهان والعقول ، بما لديه من الأخبار التي تشنف الأسماع ، والأشعار المهذبة للطباع ، والحكايات عن الأقطار البعيدة وأهلها وعجائبها ، حتى كان من سحر بيانه يؤلف بين الماء والنار ، ويجمع بين الضب والنون ، وكان مداعبا مزاحا ذا نفوذ عجيب على جلسائه ، فلا يباحثه أحد في موضوع إلا شعر بالانقياد إلى برهانه ، وإن كان البرهان في حد ذاته غير مقنع . وكان حسن الصورة جميل الوجه ، كثير الإعجاب بنفسه ، شديد التعصب على من خالفه ، بسيط اللسان على غيره من العلماء ، لم يزل يشنع عليهم بشقشقة اللسان ويقول : لم يكن في بلاد الهند علماء ، بل كانوا معلمي الصبيان ، لا يتجاوزون عن الضمير والمرجع ، وأنهم ما شموا روائح العلوم ، وكان يستثني من هؤلاء الشيخ نظام الدين محمد السهالوي والشيخ كمال الدين الفتحپوري وبحر العلوم عبد العلي محمد اللكهنوي ويقول : إنهم كانوا بحور العلم ، وأذكياء العالم ، وكانوا أمثال الدواني والسيد الشريف ، ويقول : إن الشيخ عبد العزيز بن ولي اللّه الدهلوي كان متبحّرا في العلوم الدينية ، عارفا بالمنطق والحكمة ، وإن أباه الشيخ ولي اللّه كان ناصبيا ، ويقول : إن قطعة من أقطاع الهند نهض منها رجال العلم في كل قرن ، وهي تبتدىء من « دهلي » وتنتهي إلى « بهار » ، لا يتجاوز العلم عنها ، ويقول : إني حين أتذكر الشيخ عبد الحكيم السيالكوتي ، يتمثّل لي في عالم الخيال رجل طويل القامة ، بقميص عريض مع قصر في الطول وسعة في الكمين ، ومئزر أسود ، وعمامة كبيرة على الرأس ، ولحية مغبرة ، فحين يتمثّل لي هذا الشكل أقول : أين هذا من العلم ؟ سمعت تلك الأقاويل وأمثالها من فمه بمدينة « لكهنؤ » . وله مؤلفات مقبولة عند العلماء ، وفي عباراته قوة وفصاحة ، وسلاسة تعشقها الأسماع وتلتذ بها القلوب ولكلامه وقع في الأذهان ، فمن مصنفاته المشهورة : - « تسهيل الكافية » . معرّب من شرح الكافية للسيد الشريف . - « شرح هداية الحكمة للأبهري » . - « حاشية على حاشية غلام يحيى على مير زاهد » . رسالة . - « حاشية على حاشية مير زاهد على شرح المواقف » . - « حاشية على شرح السلم لحمد اللّه » . - « حاشية على شرح السلم للقاضي » . - « شرح على مسلم الثبوت » . وله غير ذلك من المصنفات . توفي سنة ثمان عشرة وثلاث مئة وألف . عبد الحق الكابلي « * » ( 000 - 1321 ه ) الشيخ العالم الكبير العلامة المفتي ثم القاضي : عبد الحق بن محمد أعظم الحنفي الكابلي ، نزيل « بهوپال » ودفينها . ولد ونشأ بمدينة « كابل » ، وقرأ القرآن ، وتعلم الخط ، واشتغل بالعلم زمانا في بلدته . ثم سافر وقرأ المنطق والحكمة وغيرها على ملا سريج شارح « حاشية السلم » للقاضي ، ثم دخل الهند ولقي الشيخ العلامة عبد الحق بن فضل حق الخيرآبادي بكلكته وقرأ عليه بضع دروس من « الأفق المبين » ، ثم ترك الاشتغال عليه ودخل « جونپور » ولقي الشيخ هداية اللّه بن رفيع اللّه الرامپوري ولم يقرأ عليه شيئا ، ثم ذهب إلى « رامپور » وأدرك بها الشيخ عبد العلي الفاضل المشهور فقرأ عليه « الأفق المبين » للسيد باقر داماد و « كتاب الشفاء » لابن سيناء ، ثم سافر إلى الحرمين الشريفين فحجّ وزار ، وساح أكثر بلاد الشام والعراق ، ثم رجع إلى الهند ودخل « بهوپال » وأخذ بعض الفنون الرياضية عن الشيخ فتح اللّه نائب المفتي بها ، وقرأ الصحاح الستة على مولانا عبد القيوم بن عبد الحي البكري البرهانوي المفتي بها ،
--> ( * ) « الإعلام بما في تاريخ الهند من الأعلام » ص : 1263 - 1264 .