يوسف المرعشلي

607

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

الدين بن مصطفى بن صلاح الدين بن مصطفى بن سعد الدين بن نور الدين ، الغزي ، العلمي . ويرجع نسبه إلى إحدى قبائل المغرب المنسوبة للحسن بن علي رضي اللّه عنهما ؛ ولذا لقب بالعلمي ، الحسني . ولد في غزة سنة 1279 ه لأسرة شريفة مشهورة بالعلم والصلاح ، ولما نشأ تعلم القراءة والكتابة ومبادئ اللغة والعلوم في مدارس بلدته الابتدائية ، ثم رغب في طلب العلم ؛ فشرع يقرأ على علماء بلده المشهورين كالشيخ سليم العلمي ، والشيخ عبد اللطيف الخازندار ، والشيخ عبد الوهاب العلمي ، وأخيه الشيخ حسن العلمي ، والشيخ راشد المظلوم شيخ مشايخ غزة . ولما بلغ السادسة عشرة سافر إلى مصر سنة 1295 ه ؛ فالتحق بالأزهر ، وبقي فيه سبع سنوات ، وفاق أقرانه فيه ؛ فلقبوه بالشيخ قبل أن ينهي دراسته . وقرأ في الأزهر على الشيخ شمس الدين الأشموني ، والشيخ شمس الدين الأنبابي شيخ الأزهر ، والشيخ محمد البجيرمي ، والشيخ شمس الدين البجيرمي ، والشيخ شهاب الدين أحمد الرفاعي ، والشيخ إبراهيم الظواهري ، والشيخ شمس الدين الجيزاوي شيخ الأزهر . كما درس على المتخصصين من العلماء في غير الأزهر فيما بعد علوم الجغرافية ، والتاريخ ، والرياضة ، والفلك ، والفلسفة الطبيعية ، ليفهم القرآن الكريم حق الفهم ، وليفهمه للناس بلغة سهلة مسايرة للعقل والعلم والتاريخ ؛ وليبرزه أمام العالم أنه هو الكتاب الحق الواجب اتباعه . وفي عام 1302 ه رجع إلى غزة ، فنال فيها حظوة بين العلماء ، وانهال عليه الطلاب ؛ فأنشأ ( أزهرا صغيرا ) في الجامع العمري الكبير ، وكانت دروسه كالمجالس النيابية إذ كان يطلب من كل تلميذ أن يبدي رأيه في الموضوع بحسب الشرع والعقل ، ثم يبين ويشرح للمصيب إصابته ، وللمخطىء خطأه بالدليل والبرهان ؛ فعوّد التلاميذ التفكير والاستنباط في المسائل ، ونبغ على يديه عدة علماء فطاحل . وبعد وفاة والده الذي كان ينفق عليه وهو منصرف للعلم ، التجأ إلى العمل الحر ؛ فافتتح دكان عطارة ضاربا المثل بالاشتغال بالكسب الحلال ، والترفّع عن الصدقات والمساعدات . ثم أسندت إليه الحكومة في غزة عدة وظائف عمل فيها على التحسين والإصلاح . ثم سافر إلى بيروت : فعيّن أستاذا للغة العربية في إحدى مدارسها ، ثم مدرسا للتفسير في جامع المجيدية ، وخلال ذلك كان يحرر باب التفسير في مجلة ( الروضة ) البيروتية لصاحبها محمد علي القبّاني . وما لبث أن عاد إلى غزة ؛ فشغل فيها وظائف حكومية . وفي أواخر الحرب العالمية الأولى سنة 1336 ه هاجر بأسرته إلى دمشق قبيل احتلال الإنكليز لغزة ، فعيّنته الحكومة مدرّسا للتفسير في الجامع الأموي ، ومدرّسا للعلوم العربية والدينية في مدارس الإناث التابعة لوزارة المعارف إلى أن أحيل على التقاعد . استمر بعد ذلك يدرّس التفسير في داره ، وفي غيرها إلى أن توفي . كان على جانب عظيم من حسن الخلق ؛ يحترم الآخرين ويكرمهم ، وفيّا لا يخلف وعدا ، لا يفرّق بين عظيم وحقير ، متواضعا كأنه أحد التلاميذ ، بشوشا لا تفارقه البسمة ، حسن المعشر ، حلو الحديث ، يستأنس به الفقراء ، ويستفيد من مذكراته العلماء والجهلاء . يحث التلاميذ على الاستقلال الفكري ؛ ليكون لديه المراس الكافي والاستنباط والتفكير الصحيح ، بعيدا عن البدع والأوهام ، يناهض الجمود بقلمه ولسانه ، ولهذا لقي العنت من مدّعي العلم الذين كانوا يشغبون عليه في الجامع الأموي خلال دروسه ، بل كانوا أحيانا يشتمونه وينبذونه بشتى الألقاب . وكان بحّاثة دؤوبا على المطالعة دون كلال ولا ملل ، قويّ الذاكرة ؛ يجيب المستفتين بما يناسب عقولهم ، لا يتقيد بمذهب واحد تيسيرا على المسلمين إذ كان يقول : « نفتيهم بالأسهل من أقوال الأئمة لئلا يقعوا في الترك ؛ لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم هكذا كان يفعل » ، وله إراء في التفسير خالف بها جمهور المفسّرين ، وله فيها دلائل وبراهين ضمنها طيّات تفسيره الكبير ؛ الذي اشتغل فيه ما يربو على عشر سنين . اهتم بالتفسير ، وبمجادلة من يسمّون بالمبشرين من الديانات الأخرى ، ودرس لأجل ذلك التوراة والإنجيل . كان مرجعا للعام والخاص عند حل المشكلات والشبهات عن الكتاب والسّنّة . ذا صدر واسع وحكمة بليغة ، ولسان نطوق ، وأفكار نيّرة . له شعر رقيق يعدّ في الطبقة الثانية ، أكثره في