يوسف المرعشلي

534

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

ظنته إنكليزيا ، فصاروا يرمونه بالرصاص أيضا ، فكان تارة يتقلب على الأرض ، وتارة يزحف ، وتارة ثالثة يخطو خطوات وهو يشير إليهم حتى عرفه ( اليوزباشي ) ؛ فأمر الجنود بالتوقف عن الرمي . وأوصل الورقة إلى اللواء رشيد بك ، فأمر قسما من المدفعية بالتوجه نحو الخارجين على الجيش ، فردّوهم وأصابوا باخرة حربية في مياه الإسماعيلية ، وفي المساء جاء الأمر بالرجوع إلى الوراء ، فبلغه نبأ استشهاد والده ، فأسرع وصلّى عليه ، وواراه الرمال بصبر ونفس راضية ، والرصاص مستمر الإطلاق نواحيه . وتمّ الانسحاب من طريق بئر السبع إلى غزة ، وأقام الجيش بخان يونس ما يقرب من شهر ، ثم عسكر شرقي غزة . وبينما الجيش في مهمته بفلسطين ، إذ حصل الهجوم على ( شنا قلعة ) « 1 » ، فذهبت الفرقة كلها إلى هناك ؛ وهي الفرقة ( 25 ) التي تضم ثلاثة ألوية مشاة ، ولواء مدفعية ، ولواء نقل ، فذهب المترجم إلى ( غاليبولي ) ، وجرت موقعة عظيمة على السواحل انهزم فيها الإنكليز والفرنسيون واليونان ، وتركوا مواد تموينية « 2 » . وبعد انهزامهم فتحت جبهة ( أرض روم ) ، وحدث بين الأتراك وبلغاريا حلف ، فأرسلت الفرقة التي فيها المترجم ، وفرقة أخرى إلى رومانيا لمساعدة بلغاريا ، وبقي هناك سبعة أشهر تقريبا ، ومن بلدة ( معلقرة ) من نواحي بلغاريا تزوّج المترجم ، وبعدئذ صحب معه زوجته عند رجوعه . ومن الوقائع المشهورة التي شارك فيها موقعة حول ( كوبودين ) « 3 » ضد الروس والرومان ، وتراجعت فرقته ، وكان معه كثير من البلغار المسلمين ، وكان هو في الميمنة ، فرجعوا إلى أماكنهم ، وبقوا معسكرين ، وخلال ذلك حصل هجوم عليهم ، واشتد القتال ودام نهارا كاملا . وبدأت المؤخرة تستعد للانسحاب ، وعندها تقدّم المترجم إلى الأمام فوصل إلى مركز قيادة اللواء ، فوجد القائد مصطفى عزة يتلو من القرآن الكريم ، فأخبره القائد أنه أمر بالهجوم إلا أنه طلب من القيادة البلغارية أن ترمي بالمدفعية نصف ساعة لإشغال العدو ، وبعدها يبدأ الهجوم ، وأمره القائد بتحريض العسكر على القتال ففعل . وانتصر العثمانيون ، وأخذوا جميع مراكز عدوهم ، وغنموا بعض الرشاشات ومدافع الهاون ، وسميت هذه المعركة بمعركة ( كوبودين ) . وقد أراد القائد أن يعيّنه قائد فوج لما بدا منه من كفاءة ولياقة ، فاعتذر ، فكتب له على وسام مجيدي من الدرجة الرابعة . ثم ذهب الجيش إلى المجيدية ، وكانت فرقة من الألمان هناك ، فأرسل المترجم بصحبة فرقة من القوات إلى جبال الميش « 4 » ، حيث كانت بعض الفرق الألمانية تعسكر هناك تجاه الروس ؛ الذين فروا عندما هجم عليهم العثمانيون بالسلاح الأبيض ، واستلم الألمان مراكزهم ، بينما رجعت القوات العثمانية قريبا من المجيدية ، وعبرت ( الدانوب ) ودخلت رومانيا ، وتابعت سيرها إلى إبرائيل « 5 » ، وتحركت هناك على شاطىء نهر ( برأت ) الذي يصب في الدانوب ، وبقيت نحوا من سنة في مواجهة الروس والرومان . ثم قامت الثورة الاشتراكية في روسيا فتركت الحرب وعقدت الهدنة . ورجع العثمانيون إلى إستانبول ، وأرسلت فرقة المترجم إلى الشام ، وعمل إماما في مستشفى المزة بدمشق . ثم استأذن فعاد إلى ( يبرود ) ، وخلال ذلك دخل الإنكليز ورجال الشريف حسين دمشق ، وانسحب العثمانيون من الشام ؛ فترك العمل في الجيش بعد ما منح عددا من الأوسمة « 6 » . واشتغل معلما في مدرسة ( يبرود ) الابتدائية لمدة سنتين . ولم تطل مدة الحكومة العربية في الشام حتى نشب الخلاف بين الملك فيصل والفرنسيين ، وعندها تطوع في الجيش ، والتحق بالمدفعية ، وذهب مع

--> ( 1 ) مضايق في إستانبول . ( 2 ) كان ذلك زمن السلطان محمد رشاد . ( 3 ) كوبودين : منطة مجاورة لكستنجة على البحر الأسود . ( 4 ) في أراضي الأفلاق . ( 5 ) إبرائيل على شاطىء الطونة من الجهة الشمالية لنهر الدانوب . ( 6 ) انظر الصفحة 21 - 23 من كتاب : « الشيخ صلاح الدين الزعيم » .