يوسف المرعشلي

488

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

وأربعين وثلاث مئة وألف إلى الحجاز للإصلاح بين الملك عبد العزيز والشريف حسين ، وعقد الملك عبد العزيز بن سعود مؤتمرا للعالم الإسلامي سنة أربع وأربعين وثلاث مئة وألف ، ودعا علماء المسلمين وزعماءهم ليقرروا مصير البلاد ، وقرر المسلمون إرسال وفد واختاروه رئيسا للبعثة ، واختير نائب الرئيس لحفلات المؤتمر ، ودعاه الملك نادر خان ملك « أفغانستان » في رجب سنة اثنتين وخمسين وثلاث مئة وألف ليستفيد من تجاربه ودراساته في سياسة البلاد التعليمية وتوجيه المعارف في « أفغانستان » ، فرافق الدكتور محمد إقبال والسيد رأس مسعود ، وزار « كابل » و « غزنين » ، وأكرمه الملك واحتفت به البلاد ، ومنحته جامعة « علي كره » الإسلامية شهادة الدكتوراه الفخرية في الآداب لست خلون من صفر سنة اثنتين وستين وثلاث مئة وألف اعترافا بمكانته العلمية وعلو كعبه في العلوم والآداب . كان مع انقطاعه إلى العلم والتحقيق وشهرته التي طبقت الآفاق يحنّ إلى إكمال نفسه ونيل درجة الإحسان ، ويشعر بحاجة إلى من يرشده في دقائق إصلاح النفس وكمال الإخلاص والتحقيق ، وساقه سائق التوفيق والمناسبة العلمية إلى مولانا أشرف علي التهانوي ، وبايعه في رجب سنة سبع وخمسين وثلاث مئة وألف ، وأذعن له بالثقة والاعتماد والتفويض والانقياد ، ونال عند شيخه الزلفى في أقل مدة ، فأجازه واستخلفه لعشر خلون من شوال سنة إحدى وستين وثلاث مئة وألف . واستقدمه النواب حميد اللّه خان والي « بهوپال » ليتولّى رئاسة القضاء في الإمارة ورئاسة الجامعة الأحمدية ، والإشراف على التعليم الديني والأمور الدينية في « بهوپال » فاجابه إلى ذلك لميله إلى الاعتزال عن « دار المصنفين » لمدة ، وقصد بهوپال في رجب سنة خمس وستين وثلاث مئة وألف ، وأقام فيها ثلاث سنوات ، واشتغل بالدرس والإفادة ونصح المسلمين ، وحجّ سنة ثمان وستين وثلاث مئة وألف الحجة الأخيرة ، وألغيت إمارة بهوپال ، وضمت إلى الحكومة الهندية ، واضطربت الأحوال ، فاستقال من وظيفته في المحرم سنة تسع وستين وثلاث مئة وألف ، وكان بعض أركان حكومة باكستان وقادتها الذين يعرفون منزلته العلمية وتبصّره في العلوم الدينية يدعونه إلى باكستان ليشارك في وضع الدستور الإسلامي للحكومة الوليدة ، وقد أجابهم إلى ذلك في شعبان سنة تسع وستين وثلاث مئة وألف ، وقرر الإقامة في « باكستان » واختير رئيسا للجنة التعليمات الإسلامية ، إلا أن هذه اللجنة لم تستطع أن تكمل مهمتها ، وحلت بعد مدة قصيرة ، ولم يجد السيد ما كان يؤمله من التشجيع والتقدير في مقاصده الدينية والعلمية ، وتعرّض لحسد بعض العلماء واستهانة ولاة الأمر بقيمته ومكانته ، وعاش بقية عمره في عفاف وقناعة ، وعزة نفس ، واشتغال بخاصة النفس ، والمطالعة والبحوث العلمية ، واختاره مجمع فؤاد الأول في مصر عضوا مراسلا في سنة إحدى وسبعين وثلاث مئة وألف ، ورأس بعض الحفلات العلمية الكبيرة ، وكتب بحوثا علمية ، وأشار على ولاة الأمر وعلماء البلاد بما يرى فيه الخير والسداد لسلامة البلاد ومستقبلها ، وبقي مشغولا بالذكر والعبادة والتربية والإفادة إلى أن وافاه الأجل غرة ربيع الآخر سنة ثلاث وسبعين وثلاث مئة وألف ، وحضر جنازته كبار العلماء وأعيان البلاد وسفراء الحكومات الإسلامية والعربية ، ودفن بجوار الشيخ شبير أحمد العثماني . كان السيد الندوي ربع القامة ، مائلا إلى القصر ، له وجه مشرق ، تلوح عليه أمارات الهدوء والسكينة ، ويعلوه الوقار والرزانة ، له لحية كثة مستديرة ، وجبين واسع زاهر ، ممتلئ الوجنتين ، واسع العينين تشفان عن ذكاء وحياء ، أزجّ الحاجبين ، رقيق الشفتين ، نقي اللون بين سمرة وبياض ، نظيف الملابس دائما ، لا يراه الناس قط في وسخ وتبذّل ، ملتزما للعمامة في الأسفار والمجامع ، مقلّا من الكلام ، كثير الصمت ، دائم الفكرة ، امتزج العلم بلحمه ودمه ، فلا يعنى إلا به ، ولا يتحدث إلا عنه ، مديم الاشتغال بالمطالعة والبحث ، دائم المذاكرة للعلماء في العلم والدين ، سلس القريحة ، سائل القلم في التأليف والتصنيف ، ليست الخطابة في المجامع العامة والخوض في السياسة من طبعه وذوقه ، فلا يتقدم إلى ذلك إلا متكلفا أو مضطرا ، راسخا في العلوم العربية وآدابها ، عالي الكعب ، دقيق النظر في