يوسف المرعشلي
480
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
بالعمة منذ عامه السابع عشر . فتتلمذ على عالمي زمانهما في صيدا الشيخين الجليلين الشيخ توفيق الأيوبي والشيخ أحمد الزين ، وأتقن القراءات فكان زينة الحفلات الدينية وبلبلها الغرّيد في حلقات الأذكار ، وحفلات المولد النبوي الشريف ، يرتّل فيها آي الذكر الحكيم بصوته الرخيم . وكان إلى جانب موهبته الصوتية يتمتّع بموهبة الأدب وفن الخط . ومنذ صباه الباكر عكف على دراسة ما كان يقع بين يديه من كتب أدبية وتمرس في الخط والكتابة على القواعد العثمانية التي كان يعثر عليها . وما لبث أن ألّف الجمعيات الأدبية في صيدا ، وجعل يلقي فيها المواعظ الدينية والمحاضرات الأخلاقية بوصفه مرشدا لهذه الجمعيات . ومن ثم دعي إلى التعليم في مدارس المقاصد الخيرية في صيدا حيث ظل يعلّم العربية والخط طيلة أربع عشرة سنة . وفي سنة 1906 دعاه ابن عمه المرحوم الأستاذ الشيخ صالح الروّاس لتدريس اللغة العربية في مدرسة برهان الترقّي التي أنشأها في مدينة طرابلس فلبّى الدعوة . وقد ازدهرت هذه المدرسة أيما ازدهار ، نتيجة تعاون الشيخين ، وسدّت فراغا كبيرا ، فأقبل عليها أبناء العائلات الطرابلسية الكريمة تاركين مدارس الإرساليات الأجنبية ، وكان من تلاميذها المرحوم الزعيم عبد الحميد كرامي ، والسيد سعدي المنلا من رؤساء الوزارة السابقين . وفي سنة 1909 دعي المرحوم الشيخ سليم البابا إلى بيروت حيث درّس العربية في مدارسها الابتدائية الرسمية ، وما لبث أن ظهرت مواهبه الأدبية والفنية فتسلم منصب التدريس في دار المعلمين للعلوم الدينية والعربية ، كما أسند إليه تعليم الخطّ في « المدرسة السلطانية » ، أكبر مدرسة رسمية في ولاية بيروت ، وذلك بعد مباراة أرسلت فيها خطوط المتسابقين إلى الآستانة ، فصدر مرسوم في وزارة المعارف بتعيينه لفوزه على جميع المتبارين . وقد تولّى التدريس في أوقات فراغه في عدة من المدارس الخاصة ، فعلّم الخطّ والعربية في « الكلّية العثمانية » للمرحوم الشيخ أحمد عباس الأزهري ، وفي « دار العلوم » للمرحوم الشيخ نديم الأرناؤط . وقد اتصلنا بنجل الشيخ سليم البكر الفنان المعروف السيد كامل البابا أستاذ الخط بمعهد الفنون الجميلة بالجامعة اللبنانية ، وتقدمنا إليه أن يروي لنا بعض الذكريات عن والده فقال : كان المرحوم والدي خطيبا وشاعرا وخطاطا ، ولست أبالغ إذا قلت إنه كان باقة من الفن والأدب . وقد انتسب إلى جمعية الاتحاد والترقي في أيام الحرية في العهد العثماني ، وكان خطيبها في بيروت . وأذكر أن المرحوم الشهيد السيد عبد الحميد الزهراوي قام ذات أمسية يتكلّم في الجمعية فخطب مدة ساعة من الزمن خلب فيها لب المستمعين واستهواهم بفصاحته وبلاغته ، وكان عليه أن يعقب على خطابه بوصفه خطيب الجمعية فوقف وقال بعد أن أطرى الخطيب الزهراوي : ماذا عساي أن أقول وما أنا إلّا كالمتاليك أمام الزهراوي ، فالتفت إليه الشيخ عبد الحميد وقال له : بل أنت دينار . أما شعر والدي فقد كان شعرا طريفا نظمه بمناسبات سياسية أو في حفلات أدبية ، غير أنه ويا للأسف لم يجمعه بديوان ، وإني لا أزال أذكر له بيتين من قصيدة داعب بها صديقه المرحوم الشيخ مصطفى الغلايني يوم أن خلع عمامته فقال : أهنّي الشيخ في خلع العمامة * تهاني لا تني حتى القيامة لقد زحزحت ستا من نقاط * غدت كجنادل حفّت بهامه وفي سنة 1912 دعا وجيه بيروت المرحوم محمد بك بيهم ضباط الدارعة حميدية إلى ليلة ساهرة في قصره برأس بيروت ، فتوافدوا ببذلاتهم الرسمية تتلألأ النياشين كالنجوم على صدورهم ، فكان منظرا رائعا أوحى إلى والدي بعدة أبيات أذكر منها هذا البيت الذي صفق الحضور له كثيرا : يا داخل القصر لا تخشى الردى أبدا * إذ بيننا شهب ترمي الشياطينا وفي عام 1919 وقف والدي بين يدي أمل العروبة الأمير فيصل الأول في دار سماحة الشيخ مصطفى نجا وارتجل أبياتا حماسية تناسب المقام ، ولا أزال أذكر مطلعها الجميل حيث قال مخاطبا الأمير :