يوسف المرعشلي
461
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
الشباب التونسي التي يتزعمها الأستاذ علي باش حانبة ، مؤسس ومدير جريدة « التونسي » لسان تلك الحركة الوطنية ، والمترجم من بين المساهمين في تحرير النشرة العربية لتلك الجريدة وهو في سن العشرين تقريبا . له ميول إصلاحية تمثّلت في آرائه في إصلاح التعليم الزيتوني ، وفي قضية المرأة ، وهو غيور على وطنه يقاوم الدعوات الاستعمارية الهادفة إلى المس من الذاتية التونسية بشجاعة أدبية كبيرة ، مثل موقفه من دعوة الانسلاخ من المحاكم التونسية التي دعا إليها بعض اليهود والمسلمين ، فقد خطب في المؤتمر المنعقد بالبلمريوم خطابا هزّ به المشاعر ، وذلك سنة 1322 / 1904 ، وهو إذ ذاك معلّم بالمدارس الحكومية ، ففصل عن التعليم ، واشتغل بالتعليم الخاص لأبناء الأسر في تونس ، إلى أن عيّنته الحمعية الخيرية معلما بمدرستها ، فباشر وظيفته إلى سنة 1325 / 1907 حيث انتقل إلى سوسة للتعليم بمدرستها القرآنية ، فمكث معلما بها ثلاث سنوات ، ثم انتقل إلى نيابة الأوقاف بسوسة في سنة 1328 / 1910 إلى أن أحيل على التقاعد ، فباشر خطة عدل موثق بسوسة ، واستمر مباشرا لها إلى أن لقي ربه . عندما باشرت وظيفتي لأول مرة في مدينة سوسة حرصت على التعرف عليه لأن لي عنه فكرة بأنه شاعر من خيرة الشعراء ، ومصلح من خلال مطالعتي لترجمته ومنتخبات أشعاره في كتاب الأدب التونسي في القرن الرابع عشر للأديب السيد زين العابدين السنوسي ، وما كتبه من مقالات في المجلة الزيتونية ، فتعرفت به في بداية صائفة سنة 1952 ، وجالسته مرات ، ودارت بيننا أمشاج من الأحاديث في الأدب والأخلاق والفلسفة والسياسة ، فعرفت به سعة الاطلاع ، ومتانة الحجة ، وقوة العارضة ، مع جسارة فكرية وميل إلى الإغراب ، فقد جرى مرة بيننا الحديث عن الصدق والكذب ، فأبدى رأيه بأن الكذب ممقوت في كل الأحوال والظروف ، فناقشته موضّحا بأنه يلتجأ إليه أحيانا في حدود ضيقة ، وذكرت له الاستثناء الوارد في الحديث الصحيح ، فأجابني بأنه لا يقول بصحة الحديث ولو كان موجودا في الصحيحين إذا لم يطابق المعقول عنده ، فتعجّبت من هذا الميزان غير الدقيق الذي يتحكم به في الأحاديث ، ومن جسارته في رد ما في الصحيحين إذا لم يطابق المعقول عنده ، وقلت له : إذا كان في الصدق إضرار بالمصلحة العامة مثل سؤال الشرطة لك عن أحداث وأشخاص يقومون بنشاط وطني ( والثورة قائمة آنذاك في البلاد ضد الاستعمار الفرنسي ) هل من المعقول تجنّب الكذب وقول الصدق لأنه صدق ؟ ولو أضرّ بالحركة الوطنية وبالأشخاص العاملين لفائدتها ، فجمجم ولفّ ودار ، ولم يجب إجابة صحيحة معقولة على دعواه في التشبّث بما يمليه العقل ، وسمعت منه بعض الطرائف والنوادر عن الشيخ أحمد أديب المكي ( أصيل مكة المكرمة ) نزيل سوسة ، وسمعت منه مجموعة من قصائده المدونة في دفتر من القطع الربعي ، وغاب عني اسمه لطول المدة هل هو النعم في النقم أهو اسم أطلقه على طائفة من قصائده ؟ وبقي عالقا بذهني أنه متأثر في هذه القصائد بفلاسفة القرن الثامن عشر . وكان إذا حسر العمامة عن رأسه في الصيد قفزت إلى ذهني صورة قريبة من الصورة التخيلية التي رسمها بعضهم للإمام الغزالي ، شعر مرسل يصل إلى الأذنين مع انحسار في وسطه . أوصاني مرة بأن أتمسك بالأخلاق ، واستهين بالصعاب وأن أقبل على المطالعة لتنمية زادي الثقافي ، وألّا اندفع في تيار الملذات والإسفاف وصغائر الأمور ، وختم وصيته بقوله « إياك أن يسوّسك المجتمع » فكانت وصية حكيمة من حكيم . ولمست منه التأثر بحجة الإسلام الغزالي ، وله نزعة صوفية معتدلة ، وهو واسع الاطلاع على الأدب الفرنسي . يستشهد في أحاديثه بفقرات من كلام أعلامه وفلاسفته ، وقد كان أول داعية عملي لتحرير المرأة ، والخروج بها من الإطار الإسلامي الذي تربت فيه ، فأخرج بناته سافرات بعد تجاوز طور الصبا ، وهو جريمة لا تغتفر في ذلك العصر الذي كان فيه الإسلام حيا ، وذاق من أجل مبادئه وأفكاره التحررية صنوف الأذى وضروب المحن ، وحاول خصومه استعداء السلطة عليه بتهمة الزندقة لخروجه عن الشريعة ولكنه أصرّ على أفكاره .