يوسف المرعشلي

456

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

بكر باجنيد ، ثم عاود الحج مرات عديدة . وصاحب الترجمة من أهل الزهد والعبادة والتقشف والنفع للمسلمين ، كان كما في « تاج الأعراس » : جالسا في غرفته على حصير من خوص النخل ، وإلى جانبه وسادة وشملة من الصوف الخشن ، وفي الجانب الآخر إبريق الوضوء ، وإبريق قهوة اللبن ، وفناجين الخزف لا غير ، والكتب العلمية مبعثرة أمامه للمطالعة والمراجعة ا ه . كان من المشار إليهم فيما ذكرت مع حسن الطريقة ، وصحة العقيدة ، وطلب العلم ودرسه والسعي في تحصيله ، وحصل له القبول التام من الناس ، وهو في غاية التواضع ونهاية التمكين ، وأقصى المروءة ، من كرم وحسن أخلاق وأفضال . درّس وأفتى وأفاد مدة من الأعوام ، إلى أن أتاه الحمام ، وانتقل إلى رحمة الملك العلام سنة 1353 ه بحريضة ، وبها دفن . رحمه اللّه وأثابه رضاه . زينب بنت المهدي ابن سودة « * » ( 000 - 1344 ه ) زينت بنت الشيخ المهدي بن الطالب ابن سودة ، سيدتنا الجدة من الأم ، المرأة الصالحة العابدة المتبتلة . نشأت في حجر والدها وبين أحضان إخوانها الأربعة محمد والتاودي والمكي وعبد السلام ، فاكتسبت من ذلك معلومات فقهية وألفاظا حديثية . وصارت تنطق بها وتستعمل مقتضياتها في عبادة ربها وتهجّدها ، فإذا ذاكرتها وجدت نصوصها حاضرة ، وكانت عند أول يوم من رجب في كل سنة تستدعي أبناء إخوانها وتأمرهم بسرد « صحيح الإمام البخاري » في كل يوم إلى متم رمضان ، وفي آخره يكون ختم الصحيح ، وكانت تحتفل لهم في كل يوم من الثلاثة أشهر المذكورة ، وحين السرد تستشكل بعض المواضيع من الصحيح ، وكثيرا ما يكون الإشكال في محله ، ثم يقع الجواب منهم عن ذلك . وكانت تقيم حفلة المولد النبوي في رابع عيد المولد من كل سنة يحضرها العلماء والأفاضل وأهل إنشاد المديح ، وتنفق في ذلك أموالا لا يستهان بها ابتغاء مرضاة اللّه . قال ابن سودة : ولما توفي لها الولد الوحيد الذي كان عندها الفقيه الشاب المهذب أبو عبد اللّه محمد بن العابد ابن سودة عام ثمانية عشر وثلاثمائة وألف ، ولم يبق لها سوى بنت واحدة وهي سيدتنا الوالدة . ولما ولد مؤلف هذه الفهرسة أخذتني من أحضان والدتي وضمتني إليها بعد الفطام ، وجعلتني محل ولدها المتوفى ، وهذبتني أحسن تهذيب ، وأمرتني بما فيه صلاحي دينا ودنيا ، فلم أعقل إلا وأنا عندها والقيام بها والجلوس بها ، فكانت إذا أذّن المؤذن للصبح تأمرني بالنهوض لأداء فريضة الصبح ثم تطلب مني النوم بعد ذلك إن أردت ، بقيت معها على تلك الحالة إلى أن بلغت الحلم ، فزوجتني من مالها رحمة اللّه عليها . توفيت في عاشر قعدة الحرام عام أربعة وأربعين وثلاثمائة وألف ، ودفنت بزاوية والدها الكائنة بأسفل العقبة الزرقاء مع ولدها المذكور . زيني دحلان - أحمد بن زيني دحلان المكي ( ت 1304 ه ) .

--> ( * ) سلّ النصال ، لابن سودة ص 39 .